مصر توسّع نفوذها في القرن الأفريقي عبر إريتريا لمحاصرة إثيوبيا والضغط عليها

40

صعّدت مصر تحركاتها السياسية والاقتصادية في منطقة القرن الأفريقي عبر تعزيز علاقاتها مع إريتريا، في إطار استراتيجية متسارعة تهدف إلى تضييق الخناق على إثيوبيا وعزلها إقليمياً على خلفية النزاع المستمر حول سد النهضة ومخاوف القاهرة من تهديد أمنها المائي.

ووصل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ووزير النقل كامل الوزير إلى العاصمة الإريترية أسمرة لإجراء محادثات موسعة مع القيادة الإريترية بشأن توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري وتعزيز التنسيق السياسي والأمني بين البلدين.

والتقى الوزيران بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي، كما عقد بدر عبد العاطي اجتماعاً منفصلاً مع نظيره الإريتري عثمان صالح.

وقالت وزارة الخارجية المصرية إن عبد العاطي شدد خلال اللقاءات على موقف القاهرة الثابت بأن أمن وإدارة البحر الأحمر يجب أن يظلا “مسؤولية حصرية” للدول المطلة عليه، في رسالة مباشرة تستهدف الطموحات الإثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر.

وتنظر مصر بقلق متزايد إلى التحركات الإثيوبية الرامية للحصول على منفذ دائم على البحر الأحمر بعد توقيع أديس أبابا اتفاقاً أولياً مع إقليم صوماليلاند الانفصالي مطلع عام 2024.

وتعتبر القاهرة أن أي ترتيبات إثيوبية على البحر الأحمر تمثل تهديداً استراتيجياً جديداً لمصالحها الإقليمية، إضافة إلى كونها انتهاكاً لسيادة الصومال.

وقال عبد العاطي إن “الأطراف غير الساحلية ليس من حقها الدخول في ترتيبات تتعلق بالبحر الأحمر”، في إشارة واضحة إلى إثيوبيا.

وتأتي هذه التحركات ضمن حملة مصرية واسعة لتطويق النفوذ الإثيوبي في القرن الأفريقي، بعد فشل سنوات طويلة من المفاوضات بشأن سد النهضة الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق.

وتخشى القاهرة من أن يؤدي تشغيل السد بصورة منفردة إلى تقليص حصتها التاريخية من مياه النيل، خصوصاً خلال فترات الجفاف الطويلة، ما قد يهدد ملايين الوظائف الزراعية ويزيد من هشاشة الأمن الغذائي في البلاد.

كما تتهم مصر إثيوبيا برفض تقديم ضمانات واضحة تتعلق بإدارة السد وآليات إطلاق المياه خلال الأزمات المناخية.

وبالتوازي مع الضغوط السياسية، تعمل القاهرة على تعزيز نفوذها العسكري والاقتصادي في دول الجوار الإثيوبي، عبر الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية وتوقيع اتفاقيات تعاون أمني وعسكري.

وبحسب مصادر مطلعة، تمكنت مصر خلال الفترة الماضية من تأمين تسهيلات بحرية وقواعد لوجستية في إريتريا وجيبوتي، إضافة إلى نشر قوات في الصومال ضمن قوة حفظ سلام ومهمة تدريب عسكرية.

وتشير التقديرات إلى وجود ما يصل إلى 15 ألف جندي مصري داخل الأراضي الصومالية، في خطوة تعتبرها القاهرة ضرورية لحماية الحكومة الصومالية ومنع أي نفوذ إثيوبي محتمل داخل مقديشو.

كما ترى مصر أن تعزيز وجودها العسكري في القرن الأفريقي يمنحها أوراق ضغط إضافية في مواجهة إثيوبيا، التي تعتمد بصورة كبيرة على موانئ جيبوتي لنقل تجارتها الخارجية.

وقالت المصادر إن القاهرة تستخدم مشاريع البنية التحتية وتطوير الموانئ كأداة استراتيجية لكسب ولاء دول المنطقة وتعزيز نفوذها البحري في البحر الأحمر وبحر العرب.

وأشارت إلى أن مصر حصلت على نفوذ متزايد داخل ميناء ميناء عصب وميناء ميناء دوراله، بعد مشاركتها في تطويرهما وتحديث بنيتهما التحتية.

كما وقعت القاهرة اتفاقيات تعاون عسكري مع كينيا وأوغندا ضمن مساعيها لتوسيع شبكة تحالفاتها في شرق أفريقيا.

وفي المقابل، تواجه إثيوبيا ضغوطاً متزايدة بسبب محاولاتها المستمرة للحصول على منفذ بحري، بعد أن أصبحت دولة حبيسة منذ انفصال إريتريا عنها عام 1992.

ويعتبر الوصول إلى البحر الأحمر أولوية استراتيجية للحكومة الإثيوبية، التي ترى أن اعتمادها الكامل على موانئ جيبوتي يشكل نقطة ضعف اقتصادية وأمنية خطيرة.

كما تأتي التحركات المصرية في وقت تواجه فيه إثيوبيا تحديات داخلية معقدة، تشمل التوترات العرقية والصراعات المسلحة والأزمات الاقتصادية.

ويرى مراقبون أن القاهرة تسعى لاستثمار هذه الظروف لتعزيز موقعها الإقليمي وإجبار أديس أبابا على تقديم تنازلات في ملف سد النهضة.

في المقابل، تخشى أطراف إقليمية من أن يؤدي تصاعد التنافس المصري الإثيوبي في القرن الأفريقي إلى مزيد من الاستقطاب والتوتر في واحدة من أكثر مناطق القارة الأفريقية حساسية استراتيجياً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.