يواجه مشروع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإعادة بلاده إلى مصاف القوى العظمى تحدياً غير مسبوق، وسط مؤشرات متزايدة على تآكل نفوذ موسكو الخارجي وعجزها عن حماية حلفائها، في وقت لم يتمكن فيه الكرملين من كبح تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي اتسمت بعدائية مفاجئة وغير معهودة.
وعندما أطلق بوتين غزو أوكرانيا، خاطب الداخل الروسي بخطاب استدعاء الذاكرة السوفيتية، متعهداً بأن بلاده «ستفعلها مجدداً» وستحقق نصراً تاريخياً شبيهاً بالانتصار على ألمانيا النازية. غير أن الواقع بعد سنوات من الحرب أظهر صورة مغايرة تماماً.
فالصراع الذي كان يُفترض أن يُحسم خلال أيام تحول إلى حرب استنزاف طويلة تجاوزت، من حيث المدة، السنوات التي استغرقها الاتحاد السوفيتي في صد الهجوم النازي خلال الحرب العالمية الثانية.
وبحسب تقديرات متداولة في الأوساط الروسية والغربية، لم تنجح موسكو خلال ما يقرب من أربع سنوات من القتال إلا في السيطرة على أجزاء محدودة من الأراضي الأوكرانية، مقابل كلفة بشرية فادحة تُقدّر بنحو 1.1 مليون قتيل وجريح في صفوف القوات الروسية، إلى جانب تصاعد التوترات داخل البلاد.
وفي هذا الشهر وحده، انقطعت الكهرباء عن نحو 600 ألف مواطن روسي في منطقة بيلغورود الحدودية عقب هجمات صاروخية أوكرانية.
لكن الضغوط لم تعد مقتصرة على الجبهة الأوكرانية. فعلى الصعيد الدولي، تبدو شبكة التحالفات التي عمل بوتين على بنائها على مدى عقدين في حالة تفكك متسارع.
فقد فقدت موسكو موطئ قدمها الأبرز في الشرق الأوسط أواخر عام 2024 مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ما حرم الكرملين من حليف استراتيجي طالما مثّل بوابته الإقليمية.
وفي أمريكا الجنوبية، عجزت روسيا عن حماية حليفها الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي ألقت الولايات المتحدة القبض عليه في عملية وُصفت بأنها غير مسبوقة.
وجاء ذلك بعد أشهر فقط من مشاركة مادورو في عرض يوم النصر بموسكو، في مشهد عكس حجم الإحراج الذي واجهته القيادة الروسية. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ لم تتمكن موسكو حتى من منع الولايات المتحدة من الاستيلاء على ناقلة نفط ترفع العلم الروسي.
أما في إيران، التي وقّعت مع روسيا اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة 20 عاماً قبل عام واحد فقط، فيواجه النظام ضغوطاً داخلية متصاعدة.
ورغم التقارير عن تزويد موسكو لطهران بمعدات عسكرية أخيراً، فإن محللين روساً وإيرانيين يشككون في استعداد الكرملين للتدخل إذا بلغ الوضع حد الانهيار، في تكرار لسيناريو التخلي عن الأسد.
وقد انعكست هذه التطورات بوضوح في الخطاب الداخلي الروسي. فقد كتب مدون عسكري بارز مؤيد للحرب أن «حقبة كاملة تقترب من نهايتها»، معتبراً أن التركيز على الصورة الرمزية للقوة العظمى جاء على حساب بناء نفوذ حقيقي ومستدام.
ويرى دبلوماسيون سابقون وخبراء أن تحالفات موسكو لم تكن يوماً راسخة بقدر ما رُوّج لها، بل قامت على الضرورة والظرف، لا على التزامات دفاعية متبادلة.
ومع استمرار الضغوط الأمريكية وتراجع هوامش المناورة، تبدو روسيا أمام اختبار صعب: إما إعادة تعريف دورها الدولي، أو مواصلة سياسة استعراض القوة في أوكرانيا لتعويض خسائر النفوذ، حتى وإن كان ذلك بثمن أعلى.