مرسوم يعترف بالأكراد في سوريا… خطوة تاريخية أم تنازل سياسي بلا ضمانات؟

82

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، مرسوماً رئاسياً غير مسبوق يعترف رسمياً بالهوية الكردية في سوريا، ويعيد الجنسية لعشرات الآلاف من الأكراد الذين جُرّدوا منها على مدى عقود، ويقرّ اللغة الكردية لغةً وطنية إلى جانب العربية، ويعتمد عيد النوروز عطلة وطنية مدفوعة الأجر.

ورغم الطابع التاريخي للقرار، تقول السلطات الكردية إن هذه الخطوة، في صيغتها الحالية، لا ترقى إلى ضمان حقيقي لحقوق الأكراد، ولا تعالج جذور الأزمة السياسية والدستورية في البلاد.

وقال الشرع في خطاب متلفز: «يشرفني أن أصدر مرسوماً خاصاً لشعبنا الكردي، يضمن حقوقهم وبعض امتيازاتهم وفقاً للقانون»، واصفاً الأكراد بأنهم «أحفاد صلاح الدين»، في محاولة واضحة لإضفاء بعد رمزي ووطني على القرار.

وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» أن المرسوم يحظر التمييز العرقي واللغوي، ويلزم مؤسسات الدولة بتبني خطاب وطني جامع، ويحدد عقوبات على التحريض على الصراع العرقي.

وينص المرسوم على منح الجنسية السورية «لجميع المقيمين من أصل كردي الذين يعيشون في سوريا، بمن فيهم أولئك الذين لم يكونوا مسجلين سابقاً»، مع مساواتهم الكاملة في الحقوق والواجبات.

كما يعترف باللغة الكردية لغة وطنية، ويسمح بتدريسها في المدارس، ويلغي عملياً آثار إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، الذي حرم عشرات الآلاف من الأكراد من الجنسية وصنّفهم كـ«أجانب» أو «مكتومي القيد».

على الورق، يمثل القرار قطيعة مع سياسات الدولة السورية منذ الاستقلال عام 1946، والتي أنكرت الوجود القومي الكردي وقيّدت استخدام لغته وثقافته.

غير أن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (روج آفا)، التي يديرها الأكراد، سارعت إلى التقليل من أهمية المرسوم، واعتبرته «خطوة أولى» لا أكثر.

وجاء في بيان لها أن «إصدار أي مرسوم، بغض النظر عن نواياه، لا يمكن أن يشكّل ضمانة حقيقية لحقوق المكونات السورية ما لم يكن جزءاً من إطار دستوري شامل يعترف بحقوق الجميع ويحميها دون استثناء».

ودعت الإدارة الذاتية إلى صياغة دستور ديمقراطي جديد يقرّ بالتعدد القومي والثقافي في سوريا، ويضمن الحقوق السياسية والإدارية للأكراد وسائر المكونات، محذرة من الاكتفاء بإجراءات فوقية قابلة للتراجع في أي لحظة.

في المقابل، ترى رهف الدغلي، الأستاذة المساعدة في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بجامعة لانكستر، أن للمرسوم «وزناً قانونياً كبيراً»، مشيرة إلى أن الرئيس الشرع «يتمتع بسلطة تشريعية واسعة تجعل مرسومه قريباً في قوته من إعلان دستوري».

لكنها أضافت أن الاختبار الحقيقي سيكون في آليات التنفيذ، وفي ما إذا كان القرار سيتحول إلى سياسات ملموسة على الأرض.

وتأتي هذه الخطوة في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية. فقد اندلعت، الأسبوع الماضي، اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الغالبية الكردية في شمال حلب، أسفرت، بحسب وزارة الصحة السورية، عن مقتل 23 شخصاً على الأقل ونزوح أكثر من 150 ألف مدني، قبل أن تنتهي بانسحاب المقاتلين الأكراد من بعض المناطق.

ويرى الباحث في الشؤون الكردية محمد صالح أن القرار «لافت للنظر»، لكنه حذّر من أن يكون «خطوة تكتيكية تهدف إلى امتصاص الغضب الكردي وصرف الانتباه عن الحملة العسكرية التي أطلقتها الحكومة منذ 6 يناير ضد قسد والمناطق الكردية».

وأضاف أن الثقة بين الطرفين لا يمكن أن تُبنى بمرسوم واحد في ظل استمرار العمليات العسكرية والضغوط الأمنية.

وكانت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية قد خاضتا محادثات طوال العام الماضي لدمج القوات والمؤسسات المدنية الكردية في هياكل الدولة بحلول نهاية 2025، دون تحقيق اختراق حقيقي.

ومع تعهد الشرع بتوحيد البلاد بعد سقوط نظام بشار الأسد، يبقى السؤال مطروحاً: هل يشكّل مرسوم الاعتراف بالأكراد بداية مسار سياسي جديد، أم مجرد ورقة ضغط مؤقتة في صراع لم تُحسم ملامحه بعد؟.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.