أثار مقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنشاء هيئة دولية جديدة تحت مسمى «مجلس السلام» الخاص بقطاع غزة موجة واسعة من الجدل السياسي والدبلوماسي، بعد تسريبات كشفت عن اشتراط دفع مليار دولار مقابل عضوية دائمة في هذا الكيان، في خطوة اعتبرها مراقبون سابقة غير مألوفة في إدارة ملفات النزاعات الدولية، وتفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة الحوكمة والتمويل والنفوذ.
وبحسب مسودة ميثاق اطّلعت عليها وكالة بلومبرغ، يمنح المقترح ترامب موقع الرئيس الأول للمجلس مع صلاحية الاعتراض على العضوية، بينما تُقيد مشاركة الدول بمدة ثلاث سنوات فقط، ما لم تقدّم مساهمة مالية تتجاوز مليار دولار نقدًا خلال السنة الأولى، وهو ما يضمن لها عضوية مفتوحة بلا سقف زمني. وتقدّم الوثيقة المشروع بوصفه بديلًا «أكثر مرونة وفاعلية» من الأطر الدولية القائمة، معتبرة أن المؤسسات التقليدية أخفقت مرارًا في تحقيق السلام المستدام، وهي صياغة فسّرها دبلوماسيون على أنها انتقاد مباشر لمنظومة الأمم المتحدة ومحاولة للالتفاف عليها.
المبادرة، التي يُفترض أن تتولى الإشراف على إعادة إعمار غزة وإدارة شؤونها بشكل مؤقت بعد الحرب، قوبلت بردود فعل متباينة على المستوى الدولي. فقد أكدت مصر وتركيا والأردن وباكستان تلقيها دعوات رسمية للانضمام، مع الإشارة إلى أن الملفات لا تزال قيد الدراسة ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية الداخلية لكل دولة. وأعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قبوله المبدئي للمشاركة، مشددًا على أن التفاصيل لا تزال قيد التفاوض، فيما عبّر الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي عن ترحيبه بالمبادرة واعتبر الانضمام إليها شرفًا سياسيًا.
كما شملت الدعوات دولًا أخرى في أوروبا وأميركا اللاتينية، من بينها إيطاليا والمجر والبرازيل ورومانيا وقبرص وألبانيا، في مؤشر على سعي واشنطن إلى حشد غطاء دولي واسع للمجلس الجديد، رغم التحفظات التي أبدتها عواصم عدة بشأن بنيته المقترحة.
في المقابل، أبدت مصادر دبلوماسية قلقها من البنود المالية الواردة في مسودة الميثاق، ولا سيما تلك التي توحي بأن إدارة الأموال المتأتية من رسوم العضوية ستكون خاضعة بشكل مباشر للرئيس الأميركي، وهو ما وصفته بعض الدول بأنه أمر غير مقبول ويتعارض مع أبسط قواعد الشفافية والمساءلة الدولية. وأشارت المصادر إلى وجود رفض واضح من عدد من الدول للاقتراح بصيغته الحالية، معتبرة أن تحويل السلام إلى معادلة مالية قد يقوّض شرعية أي دور محتمل للمجلس.
وعند سؤال الأمم المتحدة عن المبادرة، اكتفى متحدث باسم الأمين العام أنطونيو غوتيريش بالتأكيد على أن الدول حرة في إنشاء أطر تعاون خاصة بها، مع التشديد على أن المنظمة الدولية ستواصل أداء مهامها وفق ولايتها وقراراتها المعتمدة.
الجدل لم يتوقف عند حدود الهيكل والتمويل، بل امتد إلى التعيينات التي أعلنها ترامب داخل المجلس، وفي مقدمتها تعيين رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عضوين فيه، إلى جانب ستيف ويتكوف، وأجاي بانغا، وجاريد كوشنر. كما أُسندت مهام الإشراف اليومي إلى آرييه لايتستون وجوش غرونباوم، مع تعيين الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف ممثلًا رفيعًا لغزة.
ويُتوقع أن تثير مشاركة بلير حساسيات واسعة في المنطقة، نظرًا لدوره البارز في غزو العراق عام 2003، وهو ما يعزز المخاوف من أن يتحول «مجلس السلام» إلى أداة نفوذ سياسي أكثر منه إطارًا محايدًا لإدارة الصراعات. وبينما تتواصل الدعوات والنقاشات خلف الكواليس، يبقى المقترح محاطًا بعلامات استفهام كبيرة حول أهدافه الحقيقية، وحدود تداخله مع النظام الدولي القائم، وما إذا كان يمهّد لمرحلة جديدة تُدار فيها قضايا الحرب والسلام بمنطق الاشتراكات والصفقات لا بالشرعية الدولية.