على وقع الحرب في الخليج: فوضى عالمية ومخاوف من تفكك النظام الاقتصادي

59

انطلقت اجتماعات الربيع لكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن وسط أجواء مشحونة بالتشاؤم والقلق، مع تصاعد تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

ويواجه صناع القرار والمستثمرون وقادة التنمية واقعًا اقتصاديًا سريع التغير، حيث باتت المخاطر الجيوسياسية، خاصة في منطقة مضيق هرمز، العامل الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح المرحلة الحالية.

ووصفت وكالة الطاقة الدولية الأزمة بأنها “أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ”، في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لفرض حصار على صادرات النفط الإيرانية، ما أدى بالفعل إلى ارتفاع حاد في الأسعار وتوتر الأسواق.

وقال إلداياغ مصطفاييف، المدير المالي لشركة Secure Africa Partners، إن حالة الغموض باتت سائدة، مشيرًا إلى أن الاقتصاد العالمي لم يعد “مكانًا يمكن التنبؤ به”، في ظل تداخل الحرب وارتفاع أسعار الطاقة بشكل غير مسبوق.

وأضاف أن المؤسسات الدولية نفسها تجد صعوبة في تقديم إجابات واضحة، مع توقعات بأن تركز الاجتماعات على وضع سيناريوهات للطوارئ بدلًا من تقديم حلول حاسمة.

من جانبه، أكد عبادي إسماعيل، العامل في قطاع الشحن والتجارة، أن “الفوضى” أصبحت السمة الغالبة، مشددًا على الحاجة الملحة إلى الاستقرار وخارطة طريق واضحة للمستقبل، في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.

وأوضح أن أي تأخير بسيط في سلاسل التوريد يمكن أن يغيّر موازين السوق خلال أسابيع، ما ينعكس مباشرة على المستهلكين والشركات والحكومات.

وأشار محللون إلى أن طبيعة اجتماعات هذا العام تختلف عن سابقاتها، مع توسع دائرة المشاركين لتشمل مستثمرين ورؤساء شركات إلى جانب صناع السياسات، في ظل تزايد الترابط بين الاقتصاد والسياسة الخارجية.

وقال الباحث السياسي محمد سليمان إن النقاشات لم تعد تقتصر على التضخم والنمو، بل باتت تتأثر بعوامل خارج نطاق الأدوات الاقتصادية التقليدية، مثل صدمات الطاقة والتوترات الجيوسياسية.

وأضاف أن “عدم اليقين أصبح القاعدة الأساسية”، في تحول يعكس عمق التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي.

وحتى قبل التصعيد الأخير، كانت التوقعات الاقتصادية العالمية ضعيفة، حيث رجّح البنك الدولي نموًا متواضعًا خلال 2026، إلا أن الحرب الحالية تهدد بتقويض هذه التوقعات بشكل كبير.

وحذر رئيس البنك الدولي أجاي بانغا من أن النمو العالمي قد ينخفض بين 0.3 و0.4 نقطة مئوية في سيناريو محدود، وقد يصل التراجع إلى نقطة مئوية كاملة في حال تصاعد الصراع، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط التضخمية.

كما تواجه منطقة الشرق الأوسط حالة من عدم اليقين، رغم توقعات سابقة بتحسن النمو إلى ما بين 3% و3.6%، في ظل اعتمادها الكبير على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

وحذر بيان مشترك صادر عن صندوق النقد والبنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية من أن تداعيات الحرب “كبيرة وعالمية وغير متكافئة”، حيث تتأثر الدول المستوردة للطاقة والدول منخفضة الدخل بشكل أكبر.

وأشار البيان إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة يزيد من مخاطر التضخم وفقدان الوظائف، كما يهدد الأمن الغذائي في العديد من الدول.

وتتزامن هذه التطورات مع مخاوف متزايدة من تفكك النظام الاقتصادي العالمي، حيث تتشكل العلاقات التجارية بشكل متزايد وفق اعتبارات سياسية، مع إعادة رسم سلاسل التوريد وتراجع التعاون بين القوى الكبرى.

وقال عمرو زكريا، الشريك المؤسس لشبكة Kyoto، إن “النظام العالمي كما نعرفه يتفكك”، في إشارة إلى التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد الدولي.

كما أكد فاتح بيرول أن شراكات الطاقة المستقبلية لن تعتمد فقط على السعر، بل على “مدى موثوقية الشريك سياسيًا”، ما يعكس تسييسًا متزايدًا لقطاع الطاقة.

ورغم الصورة القاتمة، يرى بعض المشاركين أن الأزمة تمثل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وتعزيز التعاون الدولي.

وقال ماركو فيرماسين أرانزانا مدير أول قسم البيئة في مركز معلومات البنك، إن الوضع الحالي، رغم صعوبته، يدفع المؤسسات إلى تكثيف جهودها في مكافحة الفقر وتغير المناخ وتعزيز الشفافية.

في المقابل، أعربت آلا كارابادجاك نائبة مدير منظمة ديفيلوبمنت إيد، عن تفاؤل حذر، مشيرة إلى أن زيادة التمويل من قبل صندوق النقد الدولي قد تساعد في تخفيف آثار الأزمة.

كما عبّرت أصوات شبابية مشاركة في الاجتماعات عن مزيج من القلق والأمل، معتبرة أن هذه اللقاءات تمثل منصة مهمة لإيجاد حلول عملية للأزمات العالمية.

وتعكس اجتماعات الربيع هذا العام لحظة مفصلية في الاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع الأزمات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية، في بيئة تتسم بقدر غير مسبوق من عدم اليقين.

وفي ظل استمرار الحرب وتقلبات أسواق الطاقة، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة، تتطلب أدوات مختلفة وسياسات أكثر مرونة للتعامل مع واقع اقتصادي يتغير بسرعة، وسط تحذيرات متزايدة من أن الاستقرار لم يعد مضمونًا كما كان في السابق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.