حذّر المدير التنفيذي لـوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول من أن العالم دخل مرحلة “أكثر خطورة”، مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة، مؤكدًا أن الصراع الجاري مع إيران يمثل “أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ”.
وأوضح بيرول، خلال كلمة ألقاها في المجلس الأطلسي في واشنطن، أن الحرب كشفت عن هشاشة غير مسبوقة في أنظمة الطاقة العالمية، مع تضرر واسع للبنية التحتية وارتفاع المخاطر على الإمدادات.
وأشار إلى أن أكثر من 80 منشأة طاقة، تشمل حقول نفط ومصافي ومحطات، تعرضت لأضرار خلال الصراع، موضحًا أن أكثر من ثلث هذه المنشآت تضرر بشكل كبير، ما يعكس حجم التأثير المباشر للحرب على سلاسل الإمداد.
وأكد أن الطاقة لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت في قلب التوترات الجيوسياسية، محذرًا من أن استمرار هذه الأوضاع سيؤدي إلى اضطرابات أوسع في الأسواق العالمية.
ولفت بيرول إلى أن تأثير الأزمة لا يتوزع بشكل متساوٍ، إذ تتحمل الدول ذات القدرات المالية المحدودة العبء الأكبر من تداعياتها.
وأوضح أن العراق من بين أكثر الدول عرضة للخطر، بسبب محدودية قدراته التخزينية واعتماده الكبير على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات الحكومية، ما يجعل أي اضطراب في الإنتاج أو الأسعار تهديدًا مباشرًا لاستقراره الاقتصادي.
كما أشار إلى أن دولًا في آسيا مثل الصين واليابان تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار وتقييد الإمدادات، في حين لا تزال بعض دول الخليج، مثل الكويت والبحرين، عرضة لتداعيات التراجع في الإيرادات.
وحذر أيضًا من تداعيات الأزمة على لبنان، مشيرًا إلى أن الدول التي تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية ستكون الأكثر تضررًا من تقلبات الطاقة.
وشدد بيرول على أن الحل الأساسي لمواجهة هذه المخاطر يتمثل في تنويع مصادر الطاقة وطرق الإمداد، مؤكدًا أن “القاعدة الأولى لأمن الطاقة هي التنويع”.
وأوضح أن الدول لم تعد تعتمد فقط على الأسعار عند اختيار شركائها في الطاقة، بل باتت تأخذ في الاعتبار مدى موثوقية هذه الشراكات، في ظل تزايد المخاطر الجيوسياسية.
وأشار إلى أن العالم يشهد تحولًا في طبيعة العلاقات الطاقوية، حيث أصبحت الاعتبارات السياسية والأمنية عاملًا حاسمًا في قرارات الاستثمار والتوريد.
وأكدت وكالة الطاقة الدولية أن الأزمة الحالية ليست حدثًا معزولًا، بل جزء من تحول هيكلي أوسع في نظام الطاقة العالمي، بدأ منذ الحرب في أوكرانيا وتفاقم مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
وأوضحت أن هذه الصدمات المتتالية أدت إلى تدخل حكومي غير مسبوق، حيث تم تسجيل أكثر من 6500 إجراء في سياسات الطاقة عالميًا، مع تضاعف الإنفاق الحكومي على القطاع منذ عام 2019.
ووصف بيرول هذه المرحلة بأنها “حقبة جديدة في سياسات الطاقة”، حيث لم تعد الدول تفصل بين قضايا الأمن والتكلفة والاستدامة، بل تتعامل معها بشكل متكامل.
وفي مواجهة التقلبات الحادة، أعلنت وكالة الطاقة الدولية تنفيذ أكبر عملية سحب من الاحتياطيات النفطية في تاريخها، عبر ضخ نحو 400 مليون برميل في الأسواق خلال مارس، بهدف الحد من الاضطرابات وتحقيق الاستقرار.
وأشار بيرول إلى أن هذه الخطوة تعكس خطورة الوضع، مؤكدًا أن نقاط الاختناق في طرق التجارة، مثل المضائق البحرية، باتت تشكل تهديدًا مباشرًا للإمدادات العالمية.
ورغم الأزمة الحالية، توقعت الوكالة استمرار الطلب العالمي على النفط في النمو على المدى الطويل، ليصل إلى نحو 113 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2050، وإن بوتيرة أبطأ.
وفي المقابل، لفتت إلى تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة وتحسين كفاءة الاستهلاك، ما قد يحد تدريجيًا من الاعتماد على الوقود الأحفوري.
كما أشارت إلى ارتفاع الطلب على الكهرباء، خصوصًا في الأسواق الناشئة، ما يضيف ضغوطًا إضافية على أنظمة الطاقة في الدول النامية.
ويؤكد تحذير وكالة الطاقة الدولية أن العالم يواجه مرحلة غير مسبوقة من عدم اليقين في قطاع الطاقة، حيث تتداخل الصراعات العسكرية مع التحديات الاقتصادية، ما يخلق بيئة شديدة التقلب.
ويرى بيرول أن هذه التطورات تفرض على الحكومات إعادة صياغة استراتيجياتها، ليس فقط لضمان الإمدادات، بل لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الأزمات.
وفي ظل استمرار التوترات، تبقى أسواق الطاقة عرضة لصدمات جديدة، ما يجعل أمن الطاقة أحد أبرز التحديات العالمية في السنوات المقبلة، في عالم وصفه بيرول بأنه أصبح “أكثر خطورة من أي وقت مضى”.