حمّى الذكاء الاصطناعي تشعل سباق الطاقة في الولايات المتحدة

51

يدفع الانتشار السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي كبرى الشركات الأمريكية إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستثمارية، بعدما تحولت الطاقة الكهربائية من مورد تقليدي متاح إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد الحديث.

وكشف ازدهار الذكاء الاصطناعي عن تحول واسع داخل قطاعات الأعمال الأمريكية، حيث بدأت شركات التكنولوجيا والسيارات والاستثمار في التوجه بقوة نحو قطاع الطاقة لتأمين الاحتياجات الضخمة لمراكز البيانات التي تشغل الأنظمة الذكية.

وأصبحت الكهرباء محور منافسة اقتصادية ضخمة مع تسارع بناء مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، في مشهد يشبه “سباق الذهب”، إذ تسعى الشركات للحصول على مصادر طاقة مستقرة قبل منافسيها.

ويرى خبراء أن الطلب المتزايد على الكهرباء خلق فرصاً مالية هائلة، لكنه يحمل أيضاً مخاطر كبيرة إذا تباطأ نمو الذكاء الاصطناعي أو جاءت توقعات استهلاك الطاقة أعلى من الواقع.

وقال برايان جانوس، الذي كان أول مسؤول متخصص في الطاقة داخل شركة مايكروسوفت قبل 15 عاماً ويشارك حالياً في تأسيس شركة لتطوير مراكز البيانات، إن جميع القطاعات أصبحت تنظر إلى الطاقة إما باعتبارها عنصراً أساسياً للعمل أو فرصة اقتصادية ضخمة.

وأوضح أن الشركات التي كانت تعتبر الكهرباء مجرد تكلفة تشغيلية بدأت تتعامل معها الآن باعتبارها عاملاً حاسماً في المنافسة المستقبلية.

ودخلت شركات خارج قطاع الطاقة التقليدي هذا المجال بقوة، حيث كشفت شركة فورد عن توسيع نشاطها في حلول تخزين الطاقة الموجهة لمراكز البيانات والمستهلكين الكبار للكهرباء.

وأطلقت الشركة وحدة جديدة باسم “فورد إنرجي” استجابة لما وصفته بالطلب الكبير على حلول تخزين الطاقة، خاصة مع زيادة الحاجة إلى مصادر كهرباء مستقرة وقادرة على دعم الأنظمة الرقمية المتقدمة.

وعكس اهتمام المستثمرين هذا التحول، حيث بدأت الأسواق المالية بمكافأة الشركات التي تمتلك حلولاً مرتبطة بتوفير الطاقة اللازمة لطفرة الذكاء الاصطناعي.

وارتفعت أسهم فورد إلى أعلى مستوياتها خلال ثلاث سنوات بعد الإعلان عن أعمال الطاقة الجديدة التي تقدر قيمتها بنحو ملياري دولار.

كما شهدت شركة بلوم إنرجي، التي كانت تُعد سابقاً لاعباً متخصصاً محدود الانتشار في قطاع الطاقة، قفزة كبيرة في قيمتها السوقية بعدما أصبحت تقنياتها الخاصة بتوفير الطاقة المباشرة محل اهتمام الشركات التي تحتاج إلى تشغيل مراكز البيانات بسرعة.

وسجلت شركات أخرى مرتبطة بالطاقة نمواً كبيراً، بينها شركات الطاقة الحرارية الأرضية التي كانت تُصنف سابقاً ضمن الاستثمارات المناخية عالية المخاطر، لكنها أصبحت الآن جزءاً من البحث العالمي عن مصادر جديدة للكهرباء.

وسجلت شركة GE Vernova طلبات شراء معدات كهربائية مخصصة لمراكز البيانات بقيمة 2.4 مليار دولار خلال الربع الأول فقط، متجاوزة حجم المبيعات المسجلة خلال العام السابق بأكمله.

وقال آندي باور، الرئيس التنفيذي لشركة ديجيتال ريالتي المتخصصة في مراكز البيانات، إن الطاقة التي تقف خلف الذكاء الاصطناعي لا يراها معظم المستخدمين، لكنها ضخمة للغاية.

وأوضح أن قطاع البنية التحتية الرقمية يعرف منذ سنوات أهمية الكهرباء، لكن الاختلاف الحالي يتمثل في سرعة الطلب، حيث أصبحت شركات المرافق تواجه أعداداً كبيرة من طلبات الطاقة وتضطر إلى تحديد المشاريع الأكثر جدية.

ورغم الاندفاع الاستثماري الكبير، تظهر تحديات متزايدة أمام توسع مراكز البيانات، خصوصاً مع اعتراضات محلية مرتبطة باستهلاك المياه والتلوث والضوضاء والضغط على شبكات الكهرباء.

وحذر خبراء من أن بعض المستثمرين قد يتكبدون خسائر كبيرة، ليس بسبب غياب الطلب على الطاقة، بل بسبب دخول عدد كبير من المشاريع العملاقة في سباق للحصول على نفس الفرصة.

وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع عدد مشاريع مراكز البيانات التي تم إلغاؤها نتيجة الاعتراضات المحلية، حيث وصلت قيمة بعض الاستثمارات المتوقفة إلى عشرات المليارات من الدولارات.

وتتركز المخاوف المجتمعية على التأثير البيئي لمراكز البيانات، خصوصاً حاجتها إلى كميات كبيرة من المياه للتبريد، إضافة إلى زيادة استهلاك الطاقة والتأثير المحتمل على أسعار الكهرباء.

وفي المقابل، أدى هذا السباق إلى ظهور جيل جديد من الشركات الناشئة التي تعمل على تطوير حلول لمشاكل مراكز البيانات، تشمل تقنيات تبريد متقدمة، وأنظمة تخزين طاقة أكثر كفاءة، ومواد بناء منخفضة الانبعاثات.

وتتعاون شركات التكنولوجيا الكبرى مثل مايكروسوفت وغوغل وأمازون وميتا مع مستثمرين ومؤسسات متخصصة لتجربة تقنيات جديدة داخل مراكز البيانات نفسها.

ويأمل المستثمرون أن تساعد هذه الابتكارات في تقليل المخاوف البيئية والاجتماعية المرتبطة بالتوسع الكبير في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتكشف التحولات الأخيرة أن قطاع الطاقة لم يعد مجرد قطاع داعم للاقتصاد الرقمي، بل أصبح جزءاً أساسياً من مستقبل الذكاء الاصطناعي نفسه.

وبعد عقود كانت فيها الكهرباء مجرد خدمة تشغيلية، أصبحت اليوم مورداً استراتيجياً يحدد قدرة الشركات والدول على قيادة سباق التكنولوجيا العالمي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.