حذر جيروم باول في أول ظهور علني له بعد انتهاء رئاسته لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من أن البنك المركزي يواجه مرحلة اختبار صعبة، مؤكداً أن مصداقية المؤسسة المالية الأكثر تأثيراً في الولايات المتحدة أصبحت على المحك وسط تصاعد الضغوط السياسية.
وجاءت تصريحات باول خلال تسلمه جائزة جون إف كينيدي “نماذج في الشجاعة”، حيث قال إن الاحتياطي الفيدرالي يخضع حالياً لما وصفه بأنه “اختبار ضغط”، في إشارة إلى التحديات التي تواجه استقلالية البنك المركزي وقدرته على اتخاذ قرارات اقتصادية بعيداً عن التأثيرات السياسية.
ولم يذكر باول بصورة مباشرة الخلافات الأخيرة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنه وجه تحذيرات واضحة من خطورة إضعاف استقلال البنك المركزي، معتبراً أن المساس بهذه القاعدة يهدد إحدى المؤسسات الأساسية التي ساهمت في قوة الاقتصاد الأمريكي.
وتأتي تصريحات باول بعد سلسلة تحركات أثارت جدلاً بشأن العلاقة بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي، بينها تحقيقات مرتبطة بتكاليف مشروع تجديد مبنى البنك المركزي التي تجاوزت الميزانية المحددة، إضافة إلى محاولة إقالة الحاكمة ليزا كوك من مجلس الاحتياطي.
وأكد باول أن حماية قرارات السياسة النقدية من التدخل السياسي كانت خياراً مهماً اتخذه الكونغرس الأمريكي، مشيراً إلى أن الإدارات المتعاقبة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي احترمت هذه الحماية لعقود.
وقال باول إن “الكونغرس أحسن صنعاً عندما قرر حماية قرارات السياسة النقدية من الضغوط السياسية”، مضيفاً أن هذه الضمانات خدمت المصلحة العامة وحافظت على قدرة البنك المركزي على أداء مهمته.
وحذر من أن السماح لأي إدارة بإبعاد مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بسبب خلافات في السياسات الاقتصادية قد يفتح الباب أمام تكرار الأمر من إدارات لاحقة، بما يؤدي إلى فقدان الجمهور ثقته في استقلال قرارات البنك المركزي.
وأوضح باول أن الخطر الأكبر يتمثل في اهتزاز قناعة المواطنين بأن الاحتياطي الفيدرالي يتخذ قراراته بناءً على مصلحة الاقتصاد الأمريكي فقط، وليس وفق حسابات سياسية مرتبطة بأي حزب أو إدارة.
وقال إن فقدان هذه الثقة سيؤدي إلى تراجع مصداقية الاحتياطي الفيدرالي، وهي المصداقية التي يعتمد عليها البنك المركزي في دعم اقتصاد قوي ومستقر يخدم الأسر والشركات الأمريكية.
وأضاف أن هذه الثقة لم تُبنَ خلال فترة قصيرة، بل جاءت نتيجة عمل امتد لعقود، مؤكداً أن مسؤولي البنك لديهم مسؤولية الحفاظ عليها للأجيال المقبلة.
وأشار باول إلى أن الاحتياطي الفيدرالي، مثل أي مؤسسة أخرى، قد يرتكب أخطاء، لكنه شدد على أن المهم هو الاعتراف بهذه الأخطاء وتصحيح المسار بناءً على البيانات والتحليلات الاقتصادية.
وقال إن الجمهور من حقه أن يتوقع من مسؤولي البنك اتخاذ القرارات اعتماداً على أفضل التقديرات الاقتصادية التي تحقق أكبر منفعة للمواطنين.
وأكد أن الاحتياطي الفيدرالي لا يضع مصالح الأحزاب أو السياسيين في حساباته عند تحديد السياسات النقدية، موضحاً أن القرارات المتعلقة بالفائدة والتضخم والاستقرار المالي يجب أن تبقى منفصلة عن الصراعات الانتخابية.
وانتهت فترة باول رئيساً للاحتياطي الفيدرالي في 15 مايو، لكنه استمر عضواً في مجلس المحافظين المكون من سبعة أعضاء، في خطوة تبقيه داخل المؤسسة خلال مرحلة حساسة تشهد نقاشاً واسعاً حول مستقبل استقلال البنك المركزي.
ويمثل وجود باول داخل المجلس بعد نهاية رئاسته وضعاً نادراً لم تشهده الولايات المتحدة منذ عقود طويلة، خصوصاً في ظل الخلافات السياسية المرتبطة بدور الاحتياطي الفيدرالي.
وفي المقابل، تولى كيفن وارش رئاسة الاحتياطي الفيدرالي في 22 مايو، بعدما كان من أبرز المنتقدين لإدارة البنك خلال السنوات الأخيرة، ودعا إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة داخل المؤسسة.
ورغم هذه الانتقادات، أشاد باول بالعاملين داخل الاحتياطي الفيدرالي، واصفاً الموظفين المهنيين بأنهم مجموعة استثنائية من العاملين في الخدمة العامة الذين يكرسون جهودهم لخدمة جميع الأمريكيين.
وشدد باول في ختام تصريحاته على أهمية حماية المؤسسات الأمريكية مع استمرار العمل على تطويرها، مؤكداً أن الخلافات السياسية جزء طبيعي من أي نظام ديمقراطي، لكنها لا يجب أن تؤدي إلى إضعاف القواعد الأساسية للدولة.
وقال إن الحفاظ على سيادة القانون واحترام المؤسسات يجب أن يبقيا فوق الخلافات الحزبية، مضيفاً أن جميع الأطراف في النهاية تسعى إلى مستقبل أفضل للولايات المتحدة ومواطنيها.
وتكشف تصريحات باول أن مستقبل استقلال الاحتياطي الفيدرالي سيكون أحد أبرز ملفات النقاش الاقتصادي والسياسي في واشنطن خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الخلاف حول حدود تأثير السلطة التنفيذية على قرارات البنك المركزي.