عززت مصر حضورها الاستراتيجي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر بتوقيع مذكرة تفاهم جديدة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية في مجال النقل البحري والموانئ، في خطوة تعكس تصاعد التنسيق بين القاهرة ومقديشو وسط تنافس إقليمي متزايد على الممرات البحرية الحيوية.
وأعلنت الحكومة الصومالية إضفاء الطابع الرسمي على مذكرة التفاهم، التي تنظم التعاون بين وزارة النقل المصرية ووزارة الموانئ والنقل البحري الصومالية، بهدف تطوير الشراكة في مجالات إدارة الموانئ والنقل البحري وتعزيز القدرات اللوجستية.
وقال وزير الموانئ والنقل البحري الصومالي محمد نور إن الاتفاق يمثل خطوة لدعم أولويات بلاده الاستراتيجية، ويسهم في تنفيذ خطة التحول الوطني، إلى جانب تعزيز مكانة الصومال في قطاع النقل البحري على المستويين الإقليمي والدولي.
ويأتي الاتفاق بعد أسابيع من توقيع مصر وإريتريا اتفاقاً لتعزيز التعاون في موانئ البحر الأحمر، خلال القمة التي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي في القاهرة، والتي شهدت أيضاً توافقاً على توسيع التنسيق الدفاعي والأمني بين البلدين.
وأكدت القاهرة وأسمرة خلال تلك القمة أن أمن البحر الأحمر وخليج عدن وإدارتهما يجب أن يظلا مسؤولية حصرية للدول المطلة على البحر الأحمر، في موقف اعتبره مراقبون رسالة مباشرة إلى إثيوبيا التي تسعى منذ سنوات للحصول على منفذ بحري دائم رغم كونها دولة غير ساحلية.
وأثار هذا التوجه المصري الإريتري اعتراضاً واضحاً من أديس أبابا، التي اتهمت القاهرة في وقت سابق باتباع سياسة تهدف إلى تطويق إثيوبيا وتقويض مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
وكان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد وصف الوصول إلى البحر الأحمر بأنه “قضية وجودية” بالنسبة لبلاده، مؤكداً أن تحقيق هذا الهدف يمثل أولوية وطنية مرتبطة بمستقبل الاقتصاد الإثيوبي، مع تشديده في الوقت ذاته على أن بلاده ستسعى إلى ذلك عبر الوسائل السلمية.
وتعود جذور التصعيد الإقليمي إلى مطلع عام 2024، عندما وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال للحصول على منفذ بحري تجاري وقاعدة بحرية، وهو الاتفاق الذي رفضته الحكومة الفيدرالية الصومالية واعتبرته انتهاكاً لسيادة البلاد.
وفي أكتوبر 2024، عقد قادة مصر وإريتريا والصومال قمة ثلاثية في العاصمة الإريترية أسمرة، أكدوا خلالها التزامهم باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وتعزيز التعاون في حماية الحدود، في موقف فُسر على نطاق واسع بأنه رفض صريح للاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال.
وشهدت العلاقات بين القاهرة وأسمرة تطوراً متسارعاً خلال العامين الماضيين، إذ توسع التنسيق السياسي والأمني بين البلدين ليشمل ملفات السودان والصومال وأمن البحر الأحمر.
وخلال زيارة الرئيس الإريتري إلى القاهرة في أكتوبر 2025، أكد الجانبان توافق مواقفهما بشأن الأزمات الإقليمية، وأعلنا دعمهما لوحدة السودان ورفض أي كيانات موازية، إلى جانب تأكيدهما احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
ويرى مراقبون أن مذكرة التفاهم الجديدة مع الصومال تمثل امتداداً لهذا التقارب، وتعزز ما بات يوصف بمحور إقليمي يضم مصر وإريتريا والصومال، يمتد من خليج السويس شمالاً حتى خليج عدن جنوباً.
ويعتقد محللون أن هذا المحور يمنح القاهرة أدوات إضافية لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر، ويزيد الضغوط السياسية والاستراتيجية على إثيوبيا، في ظل استمرار الخلاف بين البلدين حول ملف سد النهضة، إلى جانب النزاع المتعلق بوصول أديس أبابا إلى البحر.
وفي السياق ذاته، واصلت مصر خلال الفترة الأخيرة تعزيز تعاونها العسكري مع الصومال ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار، من خلال إرسال قوات، وتنفيذ برامج تدريب للقوات الصومالية، وتقديم شحنات من الأسلحة، فضلاً عن الإعداد لمناورات عسكرية مشتركة بين الجانبين.
ويرى متابعون أن توسيع التعاون البحري والعسكري بين القاهرة ومقديشو يعكس توجهاً مصرياً متزايداً لترسيخ حضورها في القرن الأفريقي، في وقت تشهد فيه المنطقة تنافساً متصاعداً بين القوى الإقليمية والدولية على الموانئ وخطوط الملاحة وأمن البحر الأحمر، الذي يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم.