كشفت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان عن أدلة جديدة تعزز استنتاجاتها السابقة بشأن ارتكاب قوات الدعم السريع انتهاكات ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية بحق المجتمعات غير العربية في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، فيما حذرت من احتمال مساءلة الدول التي واصلت تقديم الدعم العسكري واللوجستي للقوات رغم علمها بالمخاطر الجسيمة التي يتعرض لها المدنيون.
وأصدرت البعثة ورقة عمل جديدة استندت إلى شهادات إضافية لناجين من الهجوم على الفاشر، مؤكدة أن قاعدة الأدلة لديها ارتفعت إلى 333 مقابلة مقارنة بـ320 مقابلة في تقريرها السابق، وهو ما عزز قناعتها بأن ما شهدته المدينة خلال سيطرة قوات الدعم السريع يحمل سمات الإبادة الجماعية.
وأكد المحققون أن الأدلة الجديدة دعمت الاستنتاج القائل إن قوات الدعم السريع ارتكبت ثلاثة من الأفعال الأساسية التي تندرج ضمن جريمة الإبادة الجماعية، وهي قتل أفراد الجماعة المستهدفة، وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تدمير الجماعة بصورة كلية أو جزئية.
وأشارت البعثة إلى أن حجم عمليات القتل، والخطاب العرقي الذي استخدمه قادة ومقاتلو قوات الدعم السريع، إضافة إلى استهداف المدنيين غير العرب مقابل تجنيب المدنيين العرب، كلها مؤشرات تدعم وجود نية للإبادة الجماعية.
كما أعلنت البعثة أنها تدرس ما إذا كانت أنماط الاغتصاب الجماعي والحمل القسري والحرمان من خدمات الصحة الإنجابية ترقى إلى فعل رابع من أفعال الإبادة الجماعية، باعتبارها إجراءات تهدف إلى منع الولادات داخل الجماعات المستهدفة، وفقًا لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
وفي جانب آخر، وسعت البعثة نطاق تحقيقاتها ليشمل مسؤولية الدول التي قدمت دعماً عسكرياً أو مالياً أو لوجستياً أو استخباراتياً لقوات الدعم السريع، مشيرة إلى أن استمرار هذا الدعم رغم وجود مؤشرات واضحة على خطر ارتكاب إبادة جماعية قد يثير مسؤولية قانونية بموجب أحكام اتفاقية منع الإبادة الجماعية.
وأكد التقرير أن التزام الدول بمنع الإبادة ينشأ بمجرد علمها، أو كان ينبغي أن تعلم، بوجود خطر جدي لوقوع هذه الجريمة، مشددًا على أن هذا الالتزام يفرض استخدام جميع الوسائل المتاحة لمنع وقوعها.
وأشار المحققون إلى أن السودان سبق أن حاول مقاضاة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية على خلفية اتهامات تتعلق بالإبادة الجماعية، إلا أن القضية لم تستمر بسبب تحفظ أبوظبي على المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية، والتي تستثني اختصاص المحكمة في مثل هذه النزاعات.
ورغم ذلك، أوضح التقرير أن دولاً أخرى قد لا تتمتع بالحماية القانونية نفسها، ما قد يجعلها عرضة لإجراءات قضائية إذا ثبت استمرارها في دعم قوات الدعم السريع.
كما لفت التقرير إلى أن منظمات حقوقية تقدمت مؤخرًا بطلبات إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في دور جهات أجنبية، من بينها مسؤولون إماراتيون كبار، للاشتباه في مساهمتهم في دعم قوات الدعم السريع والمساعدة في ارتكاب الانتهاكات المنسوبة إليها.
ودعت البعثة إلى وقف فوري لجميع أشكال الدعم العسكري واللوجستي والذخائر التي تصل إلى قوات الدعم السريع وحلفائها، معتبرة أن استمرار تدفق الأسلحة يشكل انتهاكًا لحظر التسليح المفروض على دارفور.
وكشف المحققون كذلك عن مشاركة مقاتلين أجانب ضمن صفوف قوات الدعم السريع في أعمال العنف الجنسي، إلى جانب مقاتلين سودانيين جرى التعرف عليهم من خلال الزي العسكري المميز الذي يرتدونه.
وتضمنت الشهادات الجديدة تفاصيل مروعة عن جرائم قتل واغتصاب جماعي واختطاف ارتكبت خلال الهجوم على الفاشر.
وروت إحدى الناجيات أن مقاتلي قوات الدعم السريع اقتحموا مأوى للمدنيين وقتلوا رجالاً ونساءً وأطفالاً داخله، قبل أن يغتصبها عدد منهم أثناء محاولتها الفرار مع زوجها، الذي قُتل بعدما حاول الدفاع عنها.
كما وثق التقرير شهادات عن اقتحام مستشفى السعودي في الفاشر، حيث أفاد شهود بأن المهاجمين قتلوا الجرحى داخل المستشفى واعتدوا جنسيًا على نساء كن يحتمين بداخله.
وفي منطقة شقرة، تحدث شهود عن إيقاف مجموعة من المدنيين الفارين واغتصاب ما بين 15 و20 امرأة وفتاة، بعضهن لا تتجاوز أعمارهن 13 عامًا، فيما توفيت امرأة مسنة متأثرة بإصابتها بعد الاعتداء عليها.
كما أورد التقرير روايات عن اعتراض مجموعات من النساء أثناء فرارهن نحو مدينة طويلة، حيث كان المقاتلون يعزلون بعض النساء لاغتصابهن بينما يجبرون الأخريات على مشاهدة الاعتداءات.
وأشار المحققون إلى تسجيل حالات اغتصاب باستخدام أدوات حادة، أدت إلى وفاة إحدى الضحايا على الأقل، إضافة إلى قتل نساء حاولن مقاومة الاعتداءات أو الدفاع عن بناتهن، من بينهن أم أُطلقت عليها النار أثناء محاولتها منع المهاجمين من اختطاف بناتها، وأخريان قتلتا فور رفضهما الخضوع لمحاولات الاغتصاب.
وأكدت بعثة الأمم المتحدة أن الأدلة الجديدة تعزز الحاجة إلى محاسبة جميع المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في دارفور، داعية المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود لوقف الانتهاكات، وضمان عدم إفلات مرتكبيها أو داعميهم من المساءلة القانونية.