تسابق الولايات المتحدة الزمن لمنع إغلاق طويل الأمد لـمضيق هرمز، في ظل اعترافات داخلية بأن إعادة فتح هذا الشريان الحيوي للطاقة تمثل معضلة معقدة بلا حل واضح حتى الآن.
وتكشف تسريبات من دوائر الإدارة والاستخبارات أن واشنطن تدير الأزمة تحت ضغط متصاعد، مع إدراك متزايد بأن طهران تمتلك أدوات فعالة لتعطيل الملاحة، وهو ما يضع الحرب في مسار أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة عسكرية تقليدية.
وقد أقر مسؤول استخباراتي بأن أحد أبرز التحديات يتمثل في امتلاك إيران “نفوذًا حقيقيًا” في هذا الملف، ما يجعل أي محاولة لفرض حل سريع محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة النتائج.
وأظهر تقييم داخلي لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية أن إيران قد تكون قادرة على إبقاء المضيق مغلقًا لفترة تتراوح بين شهر وستة أشهر، وهو سيناريو يثير قلقًا بالغًا نظرًا لتداعياته على أسواق الطاقة العالمية.
إلا أن مسؤولين في البيت الأبيض والبنتاغون سارعوا إلى التقليل من أهمية هذا التقدير، معتبرين أنه يمثل “أسوأ الاحتمالات” وليس السيناريو المرجح.
وأكدت الإدارة الأمريكية أن الرئيس دونالد ترامب لم يُطلع على هذا التقييم، ولم يُستخدم في توجيه قراراته، في محاولة واضحة لاحتواء المخاوف ومنع انعكاسها على الأسواق.
في المقابل، شدد البنتاغون على أنه مستعد لمواجهة أي محاولة إيرانية لإغلاق المضيق، وأنه يعمل على “تفكيك قدرة طهران بشكل منهجي” على تعطيل تدفقات الطاقة، في إطار استراتيجية تعتمد على استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية تدريجيًا.
لكن الواقع الميداني يكشف صورة أكثر تعقيدًا. فرغم الضربات المكثفة التي أضعفت البحرية الإيرانية ودمرت جزءًا كبيرًا من ترسانتها الصاروخية، لا تزال طهران تمتلك أدوات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، مثل الزوارق السريعة والغواصات الصغيرة وحتى الدراجات المائية المفخخة.
وتعتمد هذه التكتيكات على حرب غير متماثلة، حيث يمكن تنفيذ هجمات سريعة ضد ناقلات النفط دون الحاجة إلى قدرات عسكرية تقليدية كبيرة، ما يجعل تأمين المضيق مهمة شبه مستحيلة من الناحية العملياتية.
وتؤكد تقديرات عسكرية أن مرافقة ناقلة نفط واحدة قد تتطلب عدة مدمرات، وهو ما يضاعف العبء على القوات البحرية الأمريكية، ويجعل أي خطة لتأمين المرور التجاري مكلفة ومعقدة للغاية.
كما تحتفظ إيران بقدرة على زرع الألغام البحرية باستخدام قوارب صغيرة، وهو تهديد يصعب اكتشافه والتعامل معه بسرعة، ما يزيد من حالة عدم اليقين لدى شركات الشحن العالمية.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن لا تستطيع ببساطة فرض المرور عبر المضيق، بل تحتاج إلى إثبات ميداني واضح بأن التهديد الإيراني تم تحييده أو احتواؤه بدرجة كبيرة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
في هذا السياق، كثفت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية، مستخدمة منظومات متقدمة بينها طائرات الهجوم الأرضي من طراز “A-10”، في محاولة لضرب الأهداف البحرية الصغيرة والسيطرة على الممر الحيوي.
ورغم هذه الجهود، لا تزال مدة الإغلاق المحتملة غير محسومة، إذ تتغير التقديرات بشكل شبه يومي تبعًا لتطورات العمليات العسكرية وحجم الخسائر في القدرات الإيرانية.
وتعكس هذه الأزمة تحول مضيق هرمز إلى ساحة اختبار حقيقية لإرادة الطرفين، حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول السيطرة العسكرية، بل حول القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.