تواجه الحكومة البريطانية تحديًا اقتصاديًا متصاعدًا مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، حيث بدأت آثار الصدمة الإيرانية تضرب خطط التعافي التي كان رئيس الوزراء كير ستارمر يعوّل عليها، في وقت تتقلص فيه خيارات المناورة أمام صناع القرار.
وقد اضطرت الحكومة البريطانية إلى عقد اجتماع طارئ للجنة “كوبرا”، بمشاركة كبار الوزراء ومحافظ بنك إنجلترا، في إشارة واضحة إلى خطورة التداعيات الاقتصادية التي تتجاوز البعد الخارجي للحرب.
وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه الحكومة تأمل ببدء مرحلة استقرار اقتصادي نسبي، بعد سنوات من الركود، حيث كانت التوقعات تشير إلى تراجع التضخم وفتح المجال أمام خفض أسعار الفائدة.
لكن هذه التوقعات سرعان ما تبددت مع تصاعد الحرب، حيث أعادت السلطات النقدية والمالية تقييم مسار الاقتصاد، وسط توقعات بارتفاع التضخم إلى نحو 3.5% خلال الأشهر المقبلة.
وتشكل أسعار الطاقة العامل الأكثر تأثيرًا في هذا التحول، إذ تعتمد بريطانيا بشكل كبير على واردات النفط والغاز، ما يجعلها عرضة مباشرة لأي اضطراب في الإمدادات العالمية.
وأدى ارتفاع الأسعار إلى موجة تضخمية جديدة، انعكست سريعًا على تكاليف المعيشة، ما يهدد بتقويض أحد أهم وعود الحكومة بخفض الأعباء على الأسر.
في الوقت ذاته، ارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي بشكل ملحوظ، حيث شهدت عوائد السندات قفزة كبيرة، ما يزيد من عبء خدمة الدين العام ويحد من قدرة الحكومة على الإنفاق.
وتشير التقديرات إلى أن أي ارتفاع إضافي في التضخم سيترجم إلى مليارات الجنيهات الإضافية على كلفة الدين، ما يضع المالية العامة تحت ضغط متزايد.
وتمتد التداعيات إلى الاقتصاد الحقيقي، حيث بدأت البنوك في إعادة تسعير القروض العقارية، ما أدى إلى سحب مئات المنتجات من السوق، في مؤشر على اضطراب قطاع الإسكان.
ويهدد هذا الوضع بتراجع النشاط الاقتصادي، مع انخفاض القدرة الشرائية للأسر وتباطؤ الاستثمارات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تحفيز النمو.
في المقابل، يواجه ستارمر ضغوطًا سياسية متزايدة داخل حزبه، حيث يطالب نواب حزب العمال باتخاذ إجراءات لحماية الأسر من ارتفاع الأسعار، حتى لو تطلب ذلك تخفيف القيود المالية.
لكن الحكومة تبدو حذرة من الانزلاق إلى سياسات إنفاق واسعة، في ظل مخاوف من تكرار تجارب سابقة أدت إلى فقدان ثقة الأسواق.
وتعكس هذه المعضلة صراعًا بين الضرورات الاجتماعية والقيود المالية، حيث يتعين على الحكومة تحقيق توازن دقيق بين دعم المواطنين والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
وتلوح في الأفق أزمة إضافية مع اقتراب موعد رفع سقف أسعار الطاقة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في الفواتير خلال الصيف، ويزيد من الضغوط على الحكومة للتدخل.
وحتى الآن، تركز الحكومة على إجراءات محدودة، مثل مراقبة أسعار الوقود ومواجهة ما تصفه بالتلاعب في الأسواق، دون الإعلان عن حزمة دعم واسعة.
لكن هذه الخطوات قد لا تكون كافية لاحتواء الأزمة، خاصة إذا استمرت الحرب لفترة أطول، أو شهدت الأسواق مزيدًا من التقلبات.
ويرى خبراء أن التأثيرات الحالية قد تستمر حتى في حال انتهاء الصراع قريبًا، حيث ستظل آثار التضخم وتراجع النمو حاضرة لفترة طويلة.
وتشير هذه التطورات إلى هشاشة التعافي الاقتصادي في بريطانيا، حيث يمكن لصدمات خارجية أن تعيد الاقتصاد إلى نقطة الصفر، رغم الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار.