واشنطن بوست: الحرب مع إيران تمنح الصين وروسيا مكاسب استراتيجية وتستنزف قدرات واشنطن

78

حذّر مقال رأي نشرته صحيفة “واشنطن بوست” من أن الحرب الجارية مع إيران قد تمنح خصوم الولايات المتحدة مكاسب استراتيجية، مشيراً إلى أن أكبر المستفيدين من الصراع قد يكونان الصين وروسيا وليس واشنطن.

ويرى الكاتب ماكس بوت أن الولايات المتحدة تجد نفسها مرة أخرى غارقة في صراعات الشرق الأوسط، رغم عقود من الوعود السياسية بالانسحاب من المنطقة والتركيز على التحديات العالمية الأكثر أهمية.

وقد بدأت هيمنة الشرق الأوسط على السياسة الدفاعية الأمريكية منذ سبعينيات القرن الماضي، في أعقاب أحداث كبرى مثل الحظر النفطي العربي وأزمة الرهائن في إيران والغزو السوفيتي لأفغانستان.

وفي عام 1980 أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ما أصبح يعرف بـ”عقيدة كارتر”، التي نصت على أن أي محاولة للسيطرة على الخليج ستُعتبر تهديداً مباشراً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة.

ولتنفيذ هذه السياسة، أنشأت واشنطن قوة عسكرية خاصة تحولت لاحقاً إلى القيادة المركزية الأمريكية التي تدير اليوم العمليات العسكرية في الشرق الأوسط.

لكن الوضع العالمي تغيّر منذ ذلك الوقت، إذ أصبحت الولايات المتحدة أقل اعتماداً على نفط الشرق الأوسط بعد زيادة إنتاجها المحلي من الطاقة.

ويشير المقال إلى أن بعض مسؤولي إدارة ترامب اعتبروا استقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة سبباً يجعل مهاجمة إيران أسهل من الناحية الاستراتيجية.

فقد صرّح وزير الداخلية الأمريكي دوغ بورغوم سابقاً بأن واشنطن لم تعد بحاجة إلى القلق بشأن تأثير الحرب على أسعار الوقود.

لكن الواقع الاقتصادي أظهر عكس ذلك، إذ ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنحو 14% خلال أسبوع واحد مع تصاعد الحرب.

ويقول بوت إن النظام الإيراني يمتلك سجلاً عدائياً تجاه الولايات المتحدة يمتد لعقود، لكنه يشكك في اعتبار إيران تهديداً رئيسياً مباشراً للأمن الأمريكي مقارنة بتهديدات أخرى.

ويرى أن الضربات الجوية الأمريكية قد تكون أخّرت البرنامج النووي الإيراني لكنها لم تقض عليه بالكامل.

كما يشير إلى أن الحرب لم تكن نتيجة تهديد وشيك، بل جاءت بقرار مفاجئ من إدارة ترامب في نهاية فبراير.

ويعتقد المقال أن روسيا قد تكون من أبرز المستفيدين من الحرب، حيث أن ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل يمنح موسكو إيرادات إضافية تساعدها على تمويل حربها في أوكرانيا.

كما أن قرار الإدارة الأمريكية تخفيف بعض القيود على شراء النفط الروسي من قبل الهند قد يساهم في تعزيز صادرات الطاقة الروسية.

ويحذر المقال أيضاً من أن الحرب مع إيران تستنزف مخزونات الولايات المتحدة من الصواريخ المتطورة، خصوصاً صواريخ الدفاع الجوي.

وأشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى أن صواريخ باتريوت التي استخدمت خلال ثلاثة أيام من الحرب مع إيران تعادل الكمية التي استخدمتها أوكرانيا منذ بداية الحرب مع روسيا عام 2022.

ويرى الكاتب أن هذه الموارد العسكرية كان يمكن أن تساعد أوكرانيا في الدفاع عن بنيتها التحتية الحيوية خلال الشتاء.

ويتجاوز القلق حدود الحرب الحالية ليشمل التنافس الاستراتيجي مع الصين. فالصواريخ الموجهة الدقيقة التي تستخدمها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تعد أيضاً عنصراً أساسياً في أي مواجهة محتملة مع الصين، خاصة في حال نشوب صراع حول تايوان.

ويحذر المقال من أن إعادة بناء هذه المخزونات قد تستغرق سنوات.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة بصراعات الشرق الأوسط، تواصل الصين تعزيز موقعها الاقتصادي والتكنولوجي.

وتشير تقارير إلى أن بكين تتفوق على الولايات المتحدة في 66 من أصل 74 تقنية متقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والاتصالات البصرية.

كما تنتج الصين نحو 70% من المركبات الكهربائية في العالم، إضافة إلى 80% من الهواتف الذكية و80% من بطاريات الليثيوم. وتسيطر كذلك على نحو 90% من إنتاج الطائرات المسيّرة عالمياً.

ويشير المقال إلى أن الصين توسع قدراتها العسكرية بسرعة أيضاً حيث تمتلك الآن أكبر قوة بحرية في العالم وتعمل على تطوير قواتها الصاروخية والنووية.

كما تسعى إلى تحقيق هدف استراتيجي يتمثل في امتلاك القدرة على خوض حرب ضد تايوان بحلول عام 2027.

وفي ظل هذه التطورات، يرى الكاتب أن تركيز الولايات المتحدة على الحرب مع إيران قد يمثل تشتيتاً استراتيجياً عن التحديات الكبرى التي تواجهها.

فبينما تنفق واشنطن مليارات الدولارات في عمليات عسكرية في الشرق الأوسط، تواصل الصين وروسيا تعزيز مواقعهما في النظام الدولي.

ويخلص المقال إلى أنه من المبكر تحديد المنتصر النهائي في الحرب الحالية، لكن في هذه المرحلة، يبدو أن أكبر المستفيدين من الصراع قد يكونان روسيا والصين، بينما تتحمل الولايات المتحدة الجزء الأكبر من التكلفة العسكرية والاقتصادية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.