تشير التطورات الأخيرة في منطقة الخليج إلى تحولات استراتيجية قد تعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية، مع تصاعد التساؤلات حول مستقبل الاعتماد على مضيق هرمز كممر رئيسي لنقل النفط، في ظل الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
ومنذ عقود، يُعد مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية.
غير أن هذه الأهمية الاستراتيجية جعلته أيضاً نقطة ضعف خطيرة، كما ظهر خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، عندما استهدفت ناقلات النفط بشكل متكرر، ما حوّل الممر إلى ساحة مواجهة مباشرة.
وفي تلك الفترة، سارعت السعودية إلى بناء خط أنابيب الشرق–الغرب الذي يمتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بهدف تقليل الاعتماد على المضيق.
لاحقاً، قامت الإمارات العربية المتحدة بخطوة مماثلة عبر إنشاء خط حبشان–الفجيرة، الذي ينقل النفط إلى خليج عُمان متجاوزاً المضيق.
لكن التهديد عاد بقوة في عام 2026، مع اندلاع الحرب الأخيرة، حيث نفذت طهران تهديدها بإغلاق المضيق، ما أدى إلى تعطّل مئات ناقلات النفط والغاز، وتسبب في اختناق حاد في تدفقات الطاقة العالمية.
وقد أعاد هذا الحدث تسليط الضوء على هشاشة هذا الممر الحيوي، وأثار مخاوف واسعة بشأن استقرار الأسواق.
في ضوء ذلك، بدأت دول العالم، إلى جانب القوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين والهند والاتحاد الأوروبي، في البحث عن بدائل تقلل من الاعتماد على المضيق.
كما دعت جهات بيئية إلى تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، باعتبارها حلاً طويل الأمد لتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالنفط.
في المقابل، تتحرك دول الخليج بشكل متسارع لتعزيز قدراتها البديلة. وتشير تقارير إلى أن السعودية والإمارات تدرسان إنشاء خطوط أنابيب جديدة موازية للبنية التحتية الحالية، بالإضافة إلى توسيع موانئ التصدير على سواحل بعيدة عن الخليج العربي.
ويعمل خط الأنابيب السعودي الحالي، الذي يمتد لنحو 1200 كيلومتر، بالفعل عند طاقته القصوى التي تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، بينما تنقل الإمارات قرابة 1.8 مليون برميل يومياً عبر خط الفجيرة.
وتعكس هذه الأرقام مدى أهمية هذه المشاريع في تقليل الاعتماد على المضيق، لكنها في الوقت نفسه تُظهر محدودية القدرة الحالية مقارنة بحجم الصادرات الإجمالي.
ويرى خبراء في مجال الطاقة أن الحل لا يكمن فقط في إنشاء خطوط أنابيب جديدة، بل في إعادة هيكلة كاملة لشبكات الإمداد العالمية، بما يشمل تنويع مصادر الطاقة وزيادة الإنتاج من مناطق أخرى خارج الخليج.
كما يدعو بعض الخبراء الولايات المتحدة إلى دعم هذه المشاريع من خلال التمويل والاستثمار، باعتبار أن تأمين تدفق الطاقة يصب في مصلحة الاقتصاد العالمي، ويحد من قدرة أي طرف على استخدام المضائق البحرية كأداة ضغط سياسي أو عسكري.
ورغم هذه الجهود، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى إمكانية تقليص دور مضيق هرمز بشكل فعلي. فالمضيق لا يزال يمثل الخيار الأكثر كفاءة من حيث التكلفة وسرعة النقل، كما أن البنية التحتية البديلة تحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل لتصل إلى مستوى الاعتماد الكامل.
في الوقت ذاته، قد تؤدي الأزمات المتكررة في المنطقة إلى تسريع التحول العالمي نحو مصادر الطاقة البديلة، ما قد يضعف تدريجياً من أهمية المضيق على المدى الطويل، خاصة إذا ترافقت هذه التحولات مع سياسات دولية داعمة للطاقة النظيفة.