كتاب أمريكي يفضح واشنطن: الشرق الأوسط لم يُدمَّر بالفشل بل بسياسة مقصودة

42

كشف كتاب جديد للمحلل الأمريكي البارز مارك لينش عن اتهامات مباشرة للولايات المتحدة بأنها لم تفشل في إدارة الشرق الأوسط كما تدّعي، بل صممت سياساتها عمداً لإبقاء المنطقة غارقة في الحروب والانقسامات والاستبداد، بما يخدم الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية لعقود طويلة.

وجاءت هذه الاتهامات في كتاب “الشرق الأوسط الأمريكي”، الذي وصف السياسة الخارجية الأمريكية بأنها منظومة متكاملة قامت منذ حرب الخليج عام 1991 على فرض نظام إقليمي قائم على التفوق العسكري، وحماية إسرائيل، ودعم الأنظمة الاستبدادية، وإدارة الفوضى بدل إنهائها.

ويرى لينش، وهو أستاذ في كلية إليوت بجامعة جامعة جورج واشنطن، أن واشنطن لم تكن مجرد طرف أخطأ في تقديراته السياسية، بل كانت تدير المنطقة وفق تصميم مقصود يحافظ على النفوذ الأمريكي مهما كانت كلفة الدمار الإنساني والسياسي.

ويؤكد الكتاب أن الولايات المتحدة وعدت شعوب المنطقة بالديمقراطية والاستقرار والسلام، لكنها عملياً أنتجت احتلال العراق، وانهيار ليبيا، وجحيم الحرب السورية، ومجاعة اليمن، وتدمير السودان، والإبادة الجماعية في غزة، إلى جانب ترسيخ أنظمة عربية استبدادية استخدمت القمع والتعذيب للبقاء في السلطة.

ويضع الكتاب القضية الفلسطينية في مركز هذا المشروع الأمريكي، معتبراً أن ما يسمى “عملية السلام” لم يكن مساراً حقيقياً لإنهاء الاحتلال، بل أداة لإدارته وتكريسه تحت غطاء دبلوماسي أمريكي.

وبحسب لينش، فإن اتفاقيات أوسلو لم تكن “فرصة ضائعة” كما تروج الرواية الغربية، بل شكّلت هيكلاً سمح لإسرائيل بتوسيع سيطرتها على الأرض الفلسطينية بينما حافظت واشنطن على صورة “الوسيط المحايد”.

ويؤكد الكتاب أن غزة ليست استثناءً في السياسة الأمريكية، بل النتيجة الطبيعية لنظام تعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم “مشكلة أمنية” يجب احتواؤها، لا شعباً يطالب بحقوقه وحريته.

كما يوضح لينش أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، من جورج بوش الأب وحتى جو بايدن، أعادت إنتاج العقلية نفسها رغم اختلاف الخطابات والشعارات.

فإدارة بوش الأب وضعت أسس النظام الأمريكي بعد حرب الخليج، بينما ثبّت بيل كلينتون هذا المسار عبر العقوبات على العراق واتفاق أوسلو.
أما إدارة جورج دبليو بوش فقد نقلت المشروع إلى مرحلة أكثر عنفاً عبر غزو العراق تحت شعار “نشر الديمقراطية بالقوة”، فيما حاول باراك أوباما تقليص الوجود الأمريكي جزئياً دون المساس بجوهر المنظومة.

ويقول الكتاب إن دونالد ترامب تخلّى حتى عن الغطاء الليبرالي التقليدي، وتبنى سياسة تقوم على المصالح المجردة والتطبيع مع إسرائيل دون أي اعتبار للحقوق الفلسطينية، بينما أوصل بايدن هذا النهج إلى “أدنى مستوياته الأخلاقية” عبر دعم وتسليح إسرائيل خلال تدمير غزة.

ويرفض لينش الرواية الأمريكية التي تبرر الفوضى في الشرق الأوسط فقط بصراعات داخلية أو مسؤولية القوى الإقليمية، رغم اعترافه بأن دولاً مثل السعودية والإمارات ومصر وإيران وسوريا وإسرائيل تمتلك مشاريعها الخاصة وقسوتها السياسية والأمنية.

لكنه يؤكد أن واشنطن هي التي وفرت البيئة التي سمحت لهذه الأنظمة والقوى بالتحرك، عبر دعم الحلفاء المستبدين، والتغطية على انتهاكاتهم، وتشويه خصومها، وإعادة تشكيل المنطقة وفق أولويات الأمن الأمريكي والإسرائيلي.

ويخصص الكتاب مساحة واسعة لانتقاد الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع الحركات الإسلامية، موضحاً أن واشنطن اختزلت الإسلام السياسي في صورة “تهديد حضاري”، متجاهلة الظروف السياسية والاجتماعية التي أنتجت هذه الحركات.

ويرى لينش أن السياسات الأمريكية نفسها ساهمت في إنتاج القوى التي تقول لاحقاً إنها تحاربها، سواء عبر دعم الأنظمة القمعية، أو إغلاق المجال السياسي، أو حماية الاحتلال الإسرائيلي، أو تحويل المجتمعات العربية إلى مختبرات أمنية وعسكرية مفتوحة.

كما يصف الكتاب “معاداة الإسلام” بأنها تحولت داخل واشنطن وبعض الأنظمة العربية إلى أداة حكم تبرر القمع والانقلابات والمراقبة والحروب المفتوحة.

ويعتبر لينش أن أخطر ما في السياسة الأمريكية ليس “فشلها”، بل نجاحها في تحقيق أهدافها الفعلية، حيث بقيت إسرائيل محمية ومتفوقة عسكرياً، واستمر تدفق النفط، وحافظت الأنظمة الحليفة على بقائها، بينما تم احتواء إيران وإبقاء المنطقة في حالة اعتماد دائم على القوة الأمريكية.

ويضيف أن الكارثة الحقيقية تكمن في أن تجريد العرب والمسلمين من إنسانيتهم أصبح جزءاً مؤسسياً من التفكير السياسي الأمريكي، سواء في الإعلام أو مراكز الأبحاث أو الكونغرس أو الخطاب الأمني.

ويشير الكتاب إلى أن السياسة الأمريكية افترضت دائماً أن قصف الفلسطينيين والعراقيين واليمنيين والسوريين واللبنانيين وتجويعهم وتشريدهم لا يستدعي نفس الغضب الأخلاقي الذي قد يرافق سقوط ضحايا أمريكيين أو إسرائيليين.

ويرى لينش أن ما يسمى “النظام الإقليمي” الذي فرضته واشنطن لم يجلب الاستقرار، بل أنتج حالة دائمة من الفوضى المنظمة، بحيث أصبحت كل أزمة ذريعة لمزيد من التدخل الأمريكي والعسكري.

ويؤكد أن الشرق الأوسط الحالي ليس انهياراً للنظام القديم، بل هو الوجه الحقيقي لذلك النظام الذي تقوده واشنطن منذ عقود.

ويخلص الكتاب إلى أن السؤال الحقيقي الذي تتجنبه النخب الأمريكية يتمثل في: ماذا لو كانت الولايات المتحدة نفسها أحد أهم أسباب الفوضى التي تزعم أنها تحاول منعها؟ وماذا لو لم يكن الخراب في الشرق الأوسط نتيجة أخطاء عابرة، بل نتيجة تراكم سياسات مقصودة ومستمرة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.