الحرب على إيران تفجر توتراً مكتوماً بين القاهرة وأبوظبي رغم الدعم العسكري المصري للإمارات

49

كشفت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران عن تصاعد توتر غير معلن بين مصر والإمارات، وسط خلافات متزايدة بشأن إدارة الصراع الإقليمي، ودور الوساطة، والعلاقة مع إسرائيل، في وقت اضطرت فيه القاهرة إلى إرسال مقاتلات حربية إلى أبوظبي في خطوة اعتُبرت محاولة لاحتواء الغضب الإماراتي وإظهار التضامن الأمني.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، فإن المصريين لم يعلموا بإرسال قوات جوية مصرية إلى الإمارات إلا بعد زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أبوظبي هذا الشهر، حيث بث الإعلام الرسمي الإماراتي مشاهد للسيسي برفقة الرئيس الإماراتي محمد بن زايد خلال تفقد مقاتلات “رافال” مصرية وطيارين مصريين في قاعدة إماراتية.

وخلال الزيارة، قال السيسي إن “ما يضر الإمارات يضر مصر”، في رسالة سياسية هدفت إلى تأكيد الدعم المصري لأبوظبي بعد تصاعد التوترات مع إيران.

لكن القاهرة لم تصدر أي إعلان رسمي بشأن عملية الانتشار العسكري، وهو ما اعتبره التقرير مؤشراً على حساسية الخطوة بالنسبة للقيادة المصرية، التي تحاول الموازنة بين الحفاظ على تحالفها الاقتصادي مع الإمارات والاستمرار في لعب دور الوسيط الإقليمي لإنهاء الحرب مع إيران.

وأشار التقرير إلى أن الإمارات وجهت خلال الأسابيع الماضية انتقادات غير مباشرة إلى دول عربية بسبب ما وصفته بعدم إظهار تضامن كافٍ معها في مواجهة الهجمات الإيرانية.

وكان المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، أنور قرقاش، قد تحدث في مارس الماضي عن “فشل الحلفاء والقوى الإقليمية” في الوقوف بوجه ما وصفه بـ”العدوان الإيراني الغادر”، في تصريحات فسرتها أوساط سياسية على أنها موجهة بالأساس إلى دول مثل مصر والسعودية.

وتعتمد مصر بصورة كبيرة على الدعم الاقتصادي الإماراتي، إذ لعبت أبوظبي دوراً رئيسياً في إنقاذ الاقتصاد المصري من أزمة مالية حادة خلال عام 2023 عبر صفقة استثمارية ضخمة بقيمة 35 مليار دولار لتطوير منطقة ساحلية على البحر المتوسط.

كما تشكل تحويلات مئات الآلاف من المصريين العاملين في الإمارات مصدراً أساسياً للعملة الصعبة بالنسبة للقاهرة، ما يجعل العلاقة مع أبوظبي شديدة الحساسية بالنسبة للنظام المصري.

وقال محللون إن النظرة الإماراتية بعد الحرب أصبحت تقوم على تقييم واضح للحلفاء وفق معيار “من وقف معنا فعلاً ومن لم يفعل”، في ظل شعور متزايد داخل أبوظبي بأن بعض الشركاء الإقليميين لم يبدوا دعماً كافياً خلال المواجهة مع إيران.

وأوضح الباحث في المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية HA Hellyer أن الإمارات ترى نفسها قدمت دعماً واسعاً لمصر طوال السنوات الخمس عشرة الماضية، ولذلك تتوقع من القاهرة مواقف داعمة عندما يتعلق الأمر بملفات تعتبرها أبوظبي جزءاً من أمنها القومي.

كما كشفت الحرب عن إعادة تشكيل التحالفات داخل الشرق الأوسط، حيث تحدث مراقبون عن تشكل محور يضم السعودية وتركيا وباكستان ومصر، اتخذ موقفاً أقرب إلى دعم جهود الوساطة واعتبار إسرائيل عاملاً أساسياً في زعزعة الاستقرار الإقليمي.

وفي المقابل، أبدت الإمارات تشككاً واضحاً تجاه هذه الجهود، خوفاً من أن تؤدي أي تسوية سياسية إلى بقاء النظام الإيراني أكثر قوة ونفوذاً في المنطقة.

وقال مايكل وحيد حنا، مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، إن أبوظبي نظرت إلى انخراط مصر في جهود الوساطة باعتباره نوعاً من “المساواة غير المقبولة” بين الإمارات وإيران.

وأضاف أن الإماراتيين شعروا بأن الوسطاء الإقليميين لا يظهرون تضامناً كافياً مع الموقف الإماراتي خلال الحرب.

وأشار التقرير إلى أن القاهرة تابعت أيضاً بقلق طريقة تعامل أبوظبي مع باكستان، بعدما طالبت الإمارات إسلام آباد في أبريل الماضي بسداد قرض بقيمة 3.5 مليار دولار بشكل فوري، وهي خطوة فُسرت على أنها رسالة ضغط بسبب الدور الباكستاني في الوساطة مع إيران.

ورغم التوترات، اعتبر الكاتب الإماراتي عبد الخالق عبد الله أن إرسال القوة الجوية المصرية ساهم في تخفيف حدة الخلافات، قائلاً إن أبوظبي كانت ترى أن القاهرة “مترددة وغير متعاونة” قبل هذه الخطوة.

وأضاف أن الإمارات تعتبر إيران “العدو العام رقم واحد” حالياً، وأن الدعم العسكري المصري يحمل رسائل سياسية وأمنية مهمة لطهران.

لكن التقرير أشار في المقابل إلى أن تعميق الإمارات لعلاقاتها مع إسرائيل بعد الهجمات الإيرانية أثار غضباً واسعاً داخل الشارع المصري، الذي يعيش أصلاً حالة احتقان بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة.

وشهدت وسائل التواصل الاجتماعي المصرية موجة انتقادات حادة للإمارات، ما تسبب في استياء واضح داخل أبوظبي.

وأكد الباحث هيلير أن الرأي العام المصري بات متعاطفاً بدرجة كبيرة مع الإيرانيين، باعتبارهم يتعرضون لهجمات أمريكية وإسرائيلية، في ظل تصاعد الغضب الشعبي تجاه إسرائيل منذ حرب غزة.

وأضاف التقرير أن السلام بين مصر وإسرائيل لا يزال “سلاماً بارداً” على المستوى الشعبي رغم مرور عقود على اتفاقية السلام بين البلدين.

كما أشار مايكل حنا إلى أن العقيدة العسكرية المصرية لا تزال تنظر إلى إسرائيل باعتبارها التهديد العسكري الرئيسي، رغم العلاقات الرسمية القائمة بين الطرفين.

وتنعكس الخلافات المصرية الإماراتية أيضاً على ملفات إقليمية أخرى، أبرزها السودان، حيث تتهم القاهرة أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع في الحرب ضد الجيش السوداني المدعوم مصرياً.

كما تنظر مصر بقلق إلى العلاقات الوثيقة بين الإمارات وإثيوبيا، خاصة في ظل أزمة سد النهضة التي تعتبرها القاهرة تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وقال حنا إن هذه التطورات تكشف حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة المصرية عندما يبدأ الرأي العام بملاحظة أن القاهرة وأبوظبي ليستا على توافق كامل في ملفات المنطقة.

ورغم ذلك، حاول عبد الخالق عبد الله التقليل من حجم الخلافات، مؤكداً أن الحلفاء الأقوياء لا يتفقون بالكامل في كل القضايا، وأن التوافق في معظم الملفات يبقى كافياً للحفاظ على العلاقة الاستراتيجية بين البلدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.