فرنسا: لوبان تخوض معركة قضائية حاسمة لإنقاذ طموحها الرئاسي

130

تبدأ، الثلاثاء، جلسات استئناف قد تحسم مستقبل اليمين المتطرف في فرنسا، وتحدد ما إذا كانت مارين لوبان قادرة على العودة إلى السباق الرئاسي، أو ما إذا كان تلميذها السياسي جوردان بارديلا سيتقدم نهائياً ليكون مرشح حزب «التجمع الوطني» في انتخابات 2027.

ولوبان، التي لعبت دوراً محورياً في تحويل حزبها المناهض للهجرة إلى القوة الأوفر حظاً للفوز بالرئاسة بعد إيمانويل ماكرون، تجد نفسها حالياً مقيدة بحظر انتخابي لمدة خمس سنوات، فُرض عليها عقب إدانتها في 2025 باختلاس أموال البرلمان الأوروبي. ويمنعها هذا القرار، في وضعه الحالي، من الترشح شخصياً لخلافة ماكرون.

والاستئناف الذي تنطلق جلساته هذا الأسبوع، والمتوقع أن تستمر مرافعاته قرابة شهر، لن يصدر الحكم فيه قبل الصيف، ما يضع لوبان أمام سباق مع الزمن سياسياً وقانونياً.

وبحسب مصادر مطلعة من داخل اليمين المتطرف، فإن لوبان قررت تغيير نهجها جذرياً مقارنة بالمحاكمة الأولى. فبدلاً من تصوير نفسها ضحية «مؤامرة سياسية» كما فعلت سابقاً، ستعتمد في استئنافها على مقاربة قانونية بحتة، تركز على الثغرات الإجرائية وعلى عدم تناسب العقوبة مع الجرم.

ويعكس هذا التحول إدراكاً داخل الحزب بأن استراتيجية الهجوم السياسي على القضاء لم تُثمر، بل ساهمت في تثبيت الإدانة. ويقول أحد المسؤولين المنتخبين من الحزب، وهو من بين المدانين المستأنفين، إن الدفاع سيدخل هذه المرة «بقدر من التواضع»، محاولاً إقناع القضاة بعيداً عن لغة المواجهة.

وتعود القضية إلى اتهام لوبان و24 شخصاً آخرين باستخدام أموال البرلمان الأوروبي لدفع رواتب موظفين حزبيين جرى تعيينهم رسمياً كمساعدين برلمانيين، رغم أنهم لم يؤدوا عملياً أي عمل تشريعي.

وخلال المحاكمة الأولى، عرض الادعاء أدلة وُصفت بالدامغة، من بينها مراسلات داخلية أظهرت أن بعض «المساعدين» لم يلتقوا حتى بالنواب الذين كانوا يفترض أن يعملوا معهم.

في ذلك الوقت، راهن دفاع التجمع الوطني على كسب معركة الرأي العام، مع علمه بصعوبة تفنيد الوقائع القانونية. لكن النتيجة كانت إدانة قاسية، شملت حظراً انتخابياً يهدد المسار السياسي للوبان بشكل مباشر.

وفي الاستئناف الحالي، يعتزم المحامون تفكيك الحكم السابق «سطرًا سطرًا»، بحثاً عن أخطاء إجرائية أو تعميمات قانونية يمكن الطعن فيها.

كما سيعمل الدفاع على الفصل بين المسؤوليات الفردية للمتهمين، لتفادي ترسيخ فكرة أن قرارات القيادة الحزبية كانت تُفرض على جميع نواب الحزب ومساعديهم.

ويتمثل الرهان الأكبر للوبان في الطعن بعدم تناسب العقوبة، إذ سيجادل محاموها بأن منع زعيمة معارضة تتصدر استطلاعات الرأي من الترشح للانتخابات الرئاسية يشكل إجراءً مفرطاً قياساً بطبيعة الجريمة.

لكن حتى لو نجحت قانونياً، فإن التحدي السياسي لا يقل صعوبة. فاستطلاعات الرأي الأخيرة تُظهر تراجع مكانة لوبان لصالح جوردان بارديلا، البالغ من العمر 30 عاماً، والذي تصدر في ديسمبر قائمة السياسيين الأكثر شعبية في فرنسا، وأظهرت دراسات أخرى أنه قادر على الفوز في الجولتين الأولى والثانية من الانتخابات الرئاسية.

رسمياً، يصر حزب التجمع الوطني على أن لوبان هي مرشحته الأولى، لكن الوقائع تشير إلى أن «الخطة البديلة» بدأت تتحول تدريجياً إلى خيار أساسي. ويقر مسؤولون داخل الحزب بأن أي تأخير أو فشل في الاستئناف سيمنح بارديلا أفضلية يصعب التراجع عنها.

وقرار محكمة الاستئناف ستكون له تداعيات تتجاوز شخص لوبان، ليطال التوازنات السياسية في فرنسا وأوروبا. ففي حال تثبيت الحظر، سيُغلق فعلياً الطريق أمامها نحو الرئاسة. أما إذا أُلغي القرار، فستعود إلى السباق وهي مثقلة بإرث قضائي لا يزال حاضراً في أذهان الناخبين.

وكانت لوبان ألمحت في مقابلات سابقة إلى أنها لن تخوض جولة استئناف ثالثة إذا فشلت هذه المحاولة، ما يجعل هذه المعركة القضائية لحظة فاصلة، ليس فقط في مسيرتها، بل في مستقبل اليمين المتطرف الفرنسي بأكمله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.