عملية كوماندوز في قرية لبنانية تكشف حرب الظل بين تل أبيب وحزب الله

52

أعادت قضية الطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد إسرائيل إلى عمق الأراضي اللبنانية بعد نحو أربعة عقود من اختفائه، وذلك عقب عملية كوماندوز معقدة نفذتها قوات خاصة إسرائيلية في قرية النبي شيت شرق بعلبك في سهل البقاع، في واحدة من أكثر العمليات العسكرية جرأة داخل لبنان منذ اندلاع التصعيد الأخير.

وبحسب مصادر أمنية لبنانية، هبطت أربع مروحيات إسرائيلية قادمة من اتجاه الأراضي السورية في وقت متأخر من مساء الجمعة في منطقة جبلية شرق بعلبك، قبل أن تتقدم قوة من الكوماندوز الإسرائيلي نحو قرية النبي شيت، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة مع مقاتلي حزب الله قرب مقبرة البلدة.

وقد استمرت المواجهات المسلحة نحو أربع ساعات، استخدمت خلالها القوات الإسرائيلية والمقاتلون المحليون أسلحة ثقيلة ومتوسطة، بينما كانت الطائرات الحربية والمروحيات الإسرائيلية تؤمن غطاء جوياً للقوات الخاصة خلال العملية.

ومع تصاعد الاشتباكات، امتلأت سماء المنطقة بنيران كثيفة، قبل أن تنسحب القوات الإسرائيلية في نهاية المطاف تحت حماية الغارات الجوية.

وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الاشتباكات أسفرت عن مقتل 41 شخصاً على الأقل وإصابة 41 آخرين، في واحدة من أعنف الليالي التي شهدها سهل البقاع منذ اندلاع المواجهة الأخيرة.

في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إن قواته لم تتعرض لأي إصابات خلال العملية.

وأعلن الجيش الإسرائيلي لاحقاً أن هدف العملية كان البحث عن رفات الطيار الإسرائيلي رون أراد، وهو ملاح في سلاح الجو الإسرائيلي أُسر في لبنان عام 1986 خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

وكان أراد قد وقع في الأسر بعد سقوط طائرته فوق جنوب لبنان، ويُعتقد أنه احتجز في البداية لدى مقاتلين تابعين لحركة أمل قبل أن تختفي آثاره لاحقاً.

وعلى الرغم من مرور نحو أربعين عاماً على اختفائه، ما تزال إسرائيل تعتبر قضيته ملفاً مفتوحاً وتواصل البحث عن أي معلومات تتعلق بمصيره.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إن قواته “ستواصل العمل بلا هوادة، ليلاً ونهاراً، لإعادة جميع أبناء إسرائيل، الأحياء منهم والأموات”.

لكن الجيش أقر بأن العملية لم تسفر عن العثور على أي أدلة أو رفات مرتبطة بالطيار المفقود.

وقال الجيش اللبناني إن عناصر القوة الإسرائيلية كانوا يرتدون زياً مشابهاً لزي الجيش اللبناني، واستخدموا سيارات إسعاف تشبه مركبات هيئة الصحة الإسلامية التابعة لحزب الله.

ويرى مراقبون أن هذا الأسلوب يعكس محاولة للتسلل إلى المنطقة دون إثارة الانتباه، خصوصاً أن سهل البقاع يعد أحد أهم معاقل حزب الله في لبنان.

وتعد قرية النبي شيت من المناطق الرمزية بالنسبة لحزب الله، إذ تقع في منطقة شهدت تأسيس الحركة في ثمانينيات القرن الماضي.

وتنتشر في شوارع البلدة صور قادة الحزب الذين قتلوا خلال الصراع مع إسرائيل، إضافة إلى صور المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي.

وكانت القرية قد بدأت تتعافى مؤخراً من آثار المواجهات التي شهدتها خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان بين عامي 2023 و2024. لكن العملية الأخيرة أعادت المنطقة إلى واجهة المواجهة العسكرية.

وكشفت مصادر أمنية لبنانية أن العملية العسكرية جاءت بعد شهرين من حادثة اختفاء غامضة لضابط لبناني متقاعد يدعى أحمد شكر.

وتشير التحقيقات إلى احتمال تورط جهاز الموساد الإسرائيلي في عملية اختطاف الضابط، الذي يعتقد أن شقيقه كان على صلة بقضية أسر الطيار رون أراد في ثمانينيات القرن الماضي.

وقال مصدر أمني رفيع إن القضاء اللبناني يحقق في القضية، مشيراً إلى أن عملية الاختطاف ربما نفذتها خلية مكونة من أربعة أشخاص.

وأضاف أن أحد المشتبه بهم لبناني جرى اعتقاله، بينما يعتقد أن ثلاثة آخرين غادروا البلاد، بينهم امرأة لبنانية ورجل سويدي من أصل سوري وآخر يحمل الجنسية اللبنانية الفرنسية.

وبحسب التحقيقات، جرى استدراج الضابط المتقاعد إلى فيلا في منطقة رياق في البقاع تحت ذريعة صفقة عقارية.

وقال المصدر الأمني إن آخر إشارة لهاتفه المحمول سجلت في تلك المنطقة قبل أن ينقطع الاتصال به تماماً.

ولا يزال مصيره مجهولاً حتى الآن، كما لم يتضح ما إذا كان يمتلك معلومات فعلية عن مصير الطيار الإسرائيلي بعد مرور عقود على اختفائه.

ومع توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، يبدو أن سهل البقاع يتحول تدريجياً إلى جبهة جديدة في المواجهة.

فبعد أن ركزت إسرائيل عملياتها سابقاً على جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، بدأت الآن بالضغط على مناطق أخرى تعتبر قواعد استراتيجية لحزب الله.

ويرى مراقبون أن العملية الأخيرة في النبي شيت تعكس تصعيداً في حرب الظل بين إسرائيل وحزب الله، حيث تتداخل العمليات العسكرية المباشرة مع أنشطة استخباراتية معقدة تمتد جذورها إلى صراعات تعود إلى عقود مضت.

وفي ظل استمرار الحرب وتوسعها جغرافياً، يخشى محللون من أن تتحول مناطق جديدة في لبنان إلى ساحات مواجهة مفتوحة، ما يهدد بتوسيع نطاق الصراع الإقليمي بشكل أكبر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.