كشف تحقيق جديد أن دولة الإمارات تواصل تقديم الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع السودانية عبر ليبيا، رغم الضغوط الإقليمية والدولية ونفي أبوظبي المتكرر لأي تورط في الحرب السودانية، وذلك من خلال شبكة من معسكرات التدريب وخطوط الإمداد التي تديرها بالتعاون مع قوات المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا.
ووفقاً لتحقيق نشره موقع ميدل إيست آي للصحفي أوسكار ريكيت، فإن الإمارات لم تتراجع عن دعم قوات الدعم السريع، رغم تأثير الحرب الأخيرة مع إيران والضربات التي شنتها مصر على قوافل السلاح القادمة من ليبيا، بل أعادت تنظيم عملياتها العسكرية ووسعت شبكة الإمداد عبر مسارات جديدة.
ويستند التحقيق إلى نتائج دراسة مشتركة أعدتها Lighthouse Reports وSudan War Monitor ومنظمة Evident، كشفت عن وجود معسكرات عسكرية داخل ليبيا تُستخدم لتدريب مقاتلي قوات الدعم السريع على تشغيل الأسلحة التي تزودهم بها الإمارات، إضافة إلى توفير الدعم اللوجستي من وقود ومركبات ومعدات عسكرية.
وبحسب التحقيق، حدد الباحثون خمسة معسكرات تدريب في مناطق مختلفة من ليبيا، من بينها أربعة مواقع جديدة تقع في السويدية قرب الكفرة، وسبها، والجفرة، والمعسكر 17 قرب مدينة بنغازي، وهي جميعها تقع ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة قوات خليفة حفتر.
ونقل التحقيق شهادات سبعة منشقين عن قوات الدعم السريع شاركوا في عمليات التدريب أو نقل الأسلحة داخل ليبيا، أكدوا خلالها أن الدعم الإماراتي يشكل العمود الفقري لقدرات قوات الدعم السريع.
وقال أحد المنشقين، الذي عرّفه التحقيق باسم “أحمد”، إن جميع الأسلحة والإمدادات التي تصل إلى قوات الدعم السريع “إماراتية”، مضيفاً أن الطائرات القادمة من الإمارات تنقل المعدات إلى ليبيا قبل إعادة إرسالها إلى داخل السودان.
وأضاف: “إذا فقدت قوات الدعم السريع دعم الإمارات، وإذا توقفت الإمارات عن دعمها، فلن تتمكن من القتال في الميدان، وستتفكك”.
وأوضح أحمد أنه نُقل عبر منطقة المثلث الحدودي بين ليبيا وتشاد والسودان إلى مدينة الكفرة، ومنها إلى بنغازي ثم إلى المعسكر رقم 17، الذي وصفه بأنه المركز الرئيسي لاستقبال جميع الإمدادات العسكرية الموجهة إلى قوات الدعم السريع قبل إرسالها إلى جبهات القتال.
وأشار إلى أن المعسكر يستخدم أيضاً لتدريب المقاتلين على تشغيل الأسلحة الثقيلة، بما في ذلك الرشاشات الثقيلة من طراز DShK وقاذفات RPG، إضافة إلى معدات وآليات عسكرية أخرى.
كما كشف التحقيق عن وجود مرتزقة كولومبيين داخل هذه المعسكرات، موضحاً أنهم يعملون بعقود مع مجموعة الخدمات الأمنية العالمية (Global Security Services Group)، وهي شركة مقرها الإمارات وترتبط، بحسب التحقيق، بعلاقات مع الحكومة الإماراتية.
ويأتي ذلك بعد تقارير سابقة تحدثت عن قيام الإمارات بتمويل مقاتلين أجانب للمشاركة في دعم قوات الدعم السريع خلال الحرب الدائرة في السودان.
وأشار التقرير إلى أن التعاون بين قوات الدعم السريع وقوات حفتر مستمر منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023، مستفيداً من الدعم الذي تقدمه أبوظبي للطرفين.
ورغم هذه الاتهامات، جددت وزارة الخارجية الإماراتية نفيها لأي دور في النزاع، مؤكدة في بيان أن الإمارات “لم تقدم، ولن تقدم، أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف متحارب في السودان”.
كما نفت قوات الدعم السريع تلقيها أي دعم عسكري من الإمارات، بينما نفت قوات حفتر استخدام الأراضي الليبية لتدريب أو تسليح المقاتلين السودانيين.
غير أن التحقيق أشار إلى أن الضغوط العسكرية المصرية دفعت الإمارات إلى تغيير تكتيكاتها بدلاً من وقف عملياتها.
وبحسب مصادر عسكرية واستخباراتية مصرية وسودانية وليبية تحدثت للموقع، فإن الغارات التي نفذتها مصر وتركيا على قوافل قوات الدعم السريع منذ أواخر عام 2025 أدت إلى تقليص الاعتماد على قاعدة الكفرة الجوية وتحويل جزء كبير من خطوط الإمداد إلى داخل الأراضي التشادية.
وقال مصدر عسكري مصري إن الرحلات الجوية الإماراتية لم تتوقف، وإنما أعيد توجيهها إلى مطار أمجراس في شرق تشاد، الذي تحول إلى مركز رئيسي لنقل الأسلحة والمرتزقة إلى قوات الدعم السريع.
وأضاف أن بيانات تتبع الرحلات الجوية أظهرت زيادة ملحوظة في عدد الرحلات القادمة من الإمارات وليبيا إلى المطار خلال الأشهر الأخيرة.
وكشف التحقيق أيضاً أن الإمارات أنشأت غرفة عمليات عسكرية داخل مطار أمجراس مزودة بتقنيات متطورة لتنسيق الدعم المقدم لقوات الدعم السريع.
وأوضح مصدر عسكري مصري أن شركات إماراتية نفذت توسعات كبيرة داخل المطار، شملت إنشاء مرافق جديدة وحظائر للطائرات المسيّرة وبنية تحتية قادرة على استقبال طائرات الشحن العسكرية الثقيلة من طراز إليوشن.
وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية المصرية وثقت هذه التوسعات من خلال صور استخباراتية، في ظل تزايد الوجود العسكري الإماراتي داخل المطار.
كما كشف التحقيق عن إنشاء ممر جديد لنقل الأسلحة يبدأ من البوابة 17 على الحدود الليبية التشادية، مروراً بمدينة أبشي وصولاً إلى أدري على الحدود السودانية، قبل دخول الأسلحة إلى إقليم دارفور، الذي تسيطر قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة منه.
وقال الباحث المتخصص في الشأن الليبي جليل حرشاوي إن المؤشرات الأخيرة تظهر أن الإمارات عادت بقوة إلى دعم قوات الدعم السريع بعد فترة بدا فيها أن الضغوط المصرية والتركية قد حدّت من نشاطها.
وأضاف أن أبوظبي، بدلاً من تقليص تدخلها، أعادت تصعيد عملياتها العسكرية عبر شرق ليبيا، مع استمرار التعاون الوثيق مع قوات خليفة حفتر.
ويأتي نشر التحقيق بينما لا تزال الحرب في السودان توصف بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم، إذ تشير تقديرات إلى مقتل ما لا يقل عن 200 ألف شخص منذ اندلاعها في أبريل/نيسان 2023، وسط استمرار الاتهامات الدولية للإمارات بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع.