اليونان تتحول إلى بوابة غير مباشرة لإسرائيل داخل الخليج

عبر شراكات أمنية وعسكرية متنامية

31

اعتبر الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط علي بكر أن اليونان باتت تؤدي دور “حصان طروادة” لإسرائيل داخل منطقة الخليج، من خلال توسيع حضورها في البنية الأمنية والدفاعية لدول مجلس التعاون الخليجي، بما يسمح لتل أبيب بالحفاظ على نفوذها الإقليمي بصورة غير مباشرة، رغم عزلتها المتزايدة في المنطقة.

وفي مقال نشره موقع ميدل إيست آي البريطاني، قال بكر إن التقارب المتسارع بين أثينا ودول الخليج منذ عام 2019 لا يمكن تفسيره فقط باعتبارات الطاقة أو الاستثمار، بل يرتبط أيضاً بالتحالف الاستراتيجي العميق بين اليونان وإسرائيل، وبمحاولة موازنة النفوذ التركي المتنامي في الشرق الأوسط والخليج.

وأوضح أن السياسة اليونانية تجاه الخليج مرت بمرحلتين رئيسيتين؛ الأولى بين عامي 2016 و2021، عندما سعت أثينا إلى بناء محور إقليمي ضم اليونان وإسرائيل وقبرص، وانضمت إليه بدرجات متفاوتة فرنسا ومصر والإمارات والسعودية، مستفيداً من أجواء التوتر الإقليمي وحصار قطر آنذاك.

وأشار إلى أن التعاون الاقتصادي ومشروعات الطاقة كانت تمثل الغطاء الظاهر لهذا المحور، بينما شكل التعاون الأمني والعسكري جوهره الحقيقي، في ظل تقاطع المصالح بين إسرائيل وبعض الدول الخليجية خلال تلك المرحلة.

وفي هذا الإطار، وقعت اليونان والإمارات عام 2020 اتفاقية شراكة استراتيجية وأخرى للتعاون في السياسة الخارجية والدفاع، تضمنت التزاماً متبادلاً بتقديم المساعدة في حال تعرض سيادة أي من البلدين للخطر، كما شهد العام نفسه تدريبات عسكرية مشتركة وتنسيقاً أمنياً في شرق البحر المتوسط ضمن شبكة تعاون ضمت إسرائيل وقبرص ومصر وفرنسا.

كما شهد عام 2021 توقيع اتفاقية دفاعية بين اليونان والسعودية، أرسلت بموجبها أثينا بطارية صواريخ “باتريوت” إلى المملكة إلى جانب عناصر عسكرية، ونُظمت مناورات جوية مشتركة، أبرزها تمرين “عين الصقر”، إضافة إلى تبادل الزيارات العسكرية رفيعة المستوى.

ورأى الكاتب أن هذا المحور بدأ يفقد زخمه بعد المصالحة الخليجية واستئناف العلاقات بين تركيا وكل من السعودية والإمارات ومصر، وهو ما أدى إلى تراجع الأساس السياسي للتحالف الذي كان يستند إلى مواجهة النفوذ التركي.

وأضاف أن أثينا أعادت منذ عام 2023 إطلاق مسار جديد لتعزيز حضورها في الخليج، مستندة إلى الهدفين نفسيهما: توثيق تحالفها مع إسرائيل، والحد من تنامي الدور التركي داخل المنطقة، خصوصاً في السعودية والإمارات وقطر.

وبحسب بكر، فإن ما يميز المرحلة الحالية هو مستوى الاندماج غير المسبوق بين المنظومتين الدفاعيتين اليونانية والإسرائيلية، إلى درجة تجعل أثينا، بحسب وصفه، أقرب إلى الامتداد الأمني لإسرائيل من كونها مجرد شريك أوروبي.

وأشار إلى أن اليونان تستثمر نحو 3.5 مليارات دولار في مشروع “درع أخيل” للدفاع الجوي، الذي يعتمد على دمج ثلاثة أنظمة إسرائيلية ضمن شبكة متعددة الطبقات للتصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة.

كما استثمرت أثينا هذا العام، وفق المقال، نحو 750 مليون دولار في منظومات مدفعية صاروخية دقيقة تنتجها شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية، ونشرتها على حدودها مع تركيا، فيما تتولى شركات إسرائيلية تدريب الطيارين العسكريين اليونانيين، إضافة إلى استحواذ شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية عام 2023 على شركة “إنتراكوم ديفنس” اليونانية، بما أتاح نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك.

ويرى الكاتب أن هذا التشابك العسكري يجعل اليونان قناة مناسبة لتمرير النفوذ الإسرائيلي إلى البنية الأمنية الخليجية، في وقت تواجه فيه إسرائيل عزلة دبلوماسية متزايدة بسبب الحرب على غزة والاتهامات الدولية الموجهة إليها بارتكاب انتهاكات جسيمة.

وأضاف أن إسرائيل تسعى إلى البقاء حاضرة في ترتيبات الأمن الخليجي من دون أن تكون طرفاً معلناً فيها، بينما تمثل اليونان الشريك القادر على نقل العقيدة العسكرية الإسرائيلية وأنظمتها الدفاعية وقنواتها الاستخباراتية إلى المنطقة.

وفي المقابل، اعتبر الكاتب أن تركيا تمثل الطرف الآخر في هذه المعادلة، بوصفها الدولة المسلمة الوحيدة العضو في حلف شمال الأطلسي التي تمتلك صناعة دفاعية متقدمة، فضلاً عن علاقاتها المتنامية مع دول الخليج، وسعيها إلى بناء منظومة أمن إقليمية تضم السعودية ومصر وباكستان.

ورأى أن نجاح هذا المشروع من شأنه تقويض الخطط اليونانية والإسرائيلية في المنطقة، وهو ما يفسر، بحسب المقال، تمسك أثينا بتعزيز تحالفها مع إسرائيل ومواصلة منافسة أنقرة في الخليج إلى جانب شرق البحر المتوسط.

وأشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أدرج اليونان وقبرص والهند ضمن ما وصفه بـ”سداسي التحالفات”، الذي يهدف إلى مواجهة المحور الإقليمي الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان ومصر.

كما لفت إلى أن القمة الثلاثية التي جمعت إسرائيل واليونان وقبرص في القدس أواخر العام الماضي أكدت تعميق التعاون الدفاعي والأمني، فيما تحدثت وسائل إعلام يونانية وإسرائيلية عن مقترح لتشكيل قوة تدخل سريع مشتركة تضم قوات من الدول الثلاث بهدف تعزيز الردع في شرق المتوسط.

وأضاف أن أثينا كثفت في السنوات الأخيرة تعاونها مع دول الخليج في مشاريع الطاقة والربط اللوجستي، وعلى رأسها مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي يربط الهند بإسرائيل ودول الخليج ثم أوروبا عبر اليونان، ويستبعد تركيا ومصر من مساره.

وأوضح الكاتب أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران دفعت اليونان إلى توسيع اتصالاتها الدفاعية مع دول الخليج، حيث أجرى وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس جولات شملت الإمارات وقطر والسعودية، بالتزامن مع استخدام منشآت عسكرية يونانية لدعم العمليات العسكرية الغربية، بحسب ما ورد في المقال.

واختتم بكر مقاله بالدعوة إلى أن يدرس صناع القرار في الخليج بدقة طبيعة التحالف المتنامي بين أثينا وتل أبيب قبل توسيع التعاون الدفاعي مع اليونان.

وشدد على أن الاندماج العميق بين المؤسستين العسكريتين اليونانية والإسرائيلية يثير تساؤلات حول مدى استقلالية الدور اليوناني في المنطقة، وحول احتمال انتقال النفوذ الإسرائيلي إلى المنظومة الأمنية الخليجية عبر الشراكة مع أثينا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.