تعتزم تركيا التحضير لسيناريوهات أمنية استثنائية على حدودها مع إيران، من بينها احتمال إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي الإيرانية، في حال تدهورت الأوضاع إلى أسوأ الاحتمالات وانهارت الحكومة في طهران، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة.
وبحسب المعلومات، أطلع مسؤولون كبار في وزارة الخارجية التركية نواب البرلمان، خلال اجتماع مغلق عُقد يوم الخميس، على استعدادات أنقرة لمواجهة تطورات محتملة في إيران. وقال مشاركون في الاجتماع إن الحكومة التركية تناقش عدة سيناريوهات، أبرزها منع تدفق موجات جديدة من اللاجئين إلى الداخل التركي.
وأوضح أحد المشاركين أن المسؤولين استخدموا مصطلح «منطقة عازلة» لوصف نية أنقرة اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لمنع عبور أعداد كبيرة من اللاجئين عبر الحدود. في المقابل، أشار مشارك آخر إلى أن المصطلح لم يُذكر بشكل مباشر، لكن المسؤولين أكدوا استعدادهم لاتخاذ خطوات تتجاوز الإجراءات التقليدية، بهدف إبقاء أي حركة نزوح محتملة داخل الجانب الإيراني من الحدود.
وكانت وزارة الدفاع التركية قد أعلنت في وقت سابق من الشهر الجاري عن تعزيز الإجراءات الأمنية على طول الحدود مع إيران، الممتدة لنحو 560 كيلومتراً، من خلال منظومة حواجز متطورة تعتمد على وسائل تكنولوجية حديثة. وتشمل هذه الإجراءات أبراج مراقبة كهروبصرية، وأبراجاً مزودة بمصاعد، وجداراً خرسانياً بطول مئات الكيلومترات، إضافة إلى خنادق دفاعية. كما تتم مراقبة المناطق الحدودية على مدار الساعة باستخدام أنظمة استطلاع ومراقبة، بما في ذلك الطائرات المسيرة والطائرات العسكرية.
ووفق تقارير إعلامية تركية، أبلغ المسؤولون النواب خلال الاجتماع ذاته أن الاحتجاجات الأخيرة في إيران أسفرت عن مقتل نحو أربعة آلاف شخص وإصابة عشرين ألفاً آخرين. وكانت هذه الاحتجاجات قد اندلعت على خلفية التضخم السريع والانخفاض الحاد في قيمة العملة الإيرانية، قبل أن تنتشر في مختلف أنحاء البلاد. وتشير تقارير متعددة إلى استخدام السلطات الإيرانية قوة مفرطة في قمع المتظاهرين، إلى جانب فرض قيود واسعة على الإنترنت.
وفي سياق متصل، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن أنقرة تعارض أي تدخل خارجي في إيران، داعياً إلى حل الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية. من جانبه، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد لوّح في البداية بمواقف تصعيدية تجاه طهران، قبل أن يعلن لاحقاً انفتاحه على الحوار مع القيادة الإيرانية.
ورغم ذلك، أفادت مصادر مطلعة بأن واشنطن تدرس خيارات عسكرية محدودة، تشمل ضربات دقيقة ضد مسؤولين وقادة إيرانيين تعتبرهم مسؤولين عن سقوط قتلى خلال الاحتجاجات. وفي هذا الإطار، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة، عبر نشر طائرات حربية ومنظومات دفاع جوي وسفن حربية، مع وصول حاملة الطائرات أبراهام لينكولن إلى مياه الشرق الأوسط.
وتنظر تركيا بحساسية شديدة إلى تداعيات أي تغيير قسري للأنظمة أو اندلاع حروب في جوارها، في ظل تجارب سابقة تركت آثاراً عميقة، أبرزها الغزو الأميركي للعراق عام 2003 والحرب السورية التي استمرت لسنوات طويلة. وقد أدت هذه الأزمات إلى تدفق مئات الآلاف من اللاجئين إلى تركيا، ما شكّل ضغطاً كبيراً على قطاعات حيوية مثل الطاقة والتجارة.
ولا يزال ملف اللاجئين يشكل قضية شديدة الحساسية داخل المجتمع التركي، خصوصاً مع وجود نحو 2.7 مليون لاجئ سوري، بدأ جزء منهم بالعودة إلى بلادهم بعد سقوط حكومة بشار الأسد. وكانت تقديرات رسمية تركية قد أشارت سابقاً إلى أن اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل وإيران قد يدفع ما يصل إلى مليون إيراني نحو الحدود التركية.
وبحسب المصادر، من غير المرجح أن تتبنى أنقرة سياسة الباب المفتوح في حال حدوث موجة نزوح جديدة، باستثناء الحالات الإنسانية الطارئة. إلا أن أحد العوامل المعقدة في هذا الملف يتمثل في وجود أقلية الأتراك الأذريين في إيران، التي يُقدَّر عددها بأكثر من 12 مليون شخص، ما يثير تساؤلات حول كيفية تعامل تركيا مع احتمال وصول أعداد كبيرة منهم إلى الحدود، وما قد يرافق ذلك من ضغوط داخلية للسماح بدخولهم.