أغلقت وزارة الخارجية البريطانية وحدة حكومية متخصصة في تتبع الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي في الحرب على قطاع غزة، في خطوة أثارت انتقادات واسعة وطرحت تساؤلات حول التزام المملكة المتحدة بمراقبة الانتهاكات في مناطق النزاع.
وجاء القرار في سياق إعادة هيكلة داخلية رافقت خفض ميزانية المساعدات الخارجية إلى 0.3% من إجمالي الدخل القومي، وهو ما انعكس مباشرة على تمويل مشاريع الرصد والتحليل المرتبطة بالنزاعات.
وأدى الإغلاق إلى إنهاء تمويل مشروع “مراقبة النزاعات والأمن” الذي يديره مركز مرونة المعلومات، والذي يُعد من أكبر منصات التوثيق المفتوح المصدر للحوادث في مناطق الصراع، بما في ذلك فلسطين ولبنان.
ستفقد وزارة الخارجية الوصول المباشر إلى قاعدة بيانات تضم نحو 26 ألف حادثة موثقة في الشرق الأوسط، ما يمثل تراجعاً ملحوظاً في قدراتها التحليلية المرتبطة بالقانون الإنساني الدولي.
وأكد متحدث باسم الوزارة أن العمل المتعلق بمراقبة القانون الدولي “سيستمر ضمن فريق آخر”، مشيراً إلى أن الحكومة لا تزال تعتمد على مصادر متعددة لتقييم الأوضاع في غزة، وأن التقارير السابقة لا تزال متاحة للاستخدام.
رغم ذلك، اعتبر مراقبون أن نقل المهام دون الحفاظ على البنية المؤسسية للوحدة يضعف القدرة على الرصد المستقل، ويحد من فعالية متابعة الانتهاكات بشكل منهجي.
ويتناقض القرار مع تصريحات وزيرة الخارجية إيفيت كوبر التي أكدت في وقت سابق أن دعم القانون الدولي سيكون محور السياسة الخارجية البريطانية، ما دفع منتقدين إلى وصف الخطوة بأنها تراجع عملي عن هذا الالتزام.
ونفذ المشروع الذي تم إلغاؤه أكثر من 20 تحقيقاً، من بينها توثيق حوادث إطلاق نار على أطفال في غزة، وهو ما يعكس أهمية البيانات التي كانت توفرها الوحدة في تقييم سلوك الأطراف المتحاربة.
وأثار القرار انتقادات من منظمات حقوقية، حيث قالت هيومن رايتس ووتش إن الخطوة تثير الشكوك بشأن مدى التزام الحكومة بمعايير تصدير الأسلحة والاتفاقيات الدولية، بما في ذلك اتفاقية منع الإبادة الجماعية.
وحذرت منظمات مناهضة لتجارة السلاح من أن إغلاق الوحدة قد يفتح الباب أمام تراجع الشفافية، ويمنح صانعي القرار مساحة أكبر لتجاهل أو إعادة تفسير البيانات المتعلقة بالانتهاكات.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه بريطانيا تعاونها العسكري مع إسرائيل، بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية المرتبطة بعمليات المراقبة، وهو ما يزيد من حساسية القرار في السياق السياسي والحقوقي.
وترتبط هذه الخطوة أيضاً باتفاقية عسكرية موقعة بين لندن وتل أبيب عام 2020، تهدف إلى تعزيز الشراكة الدفاعية بين الجانبين، والتي لا تزال تفاصيلها مصنفة وغير معلنة بشكل كامل.
ويشير مراقبون إلى أن تقليص ميزانية المساعدات الخارجية لم يكن مجرد إجراء مالي، بل انعكس على أولويات السياسة الخارجية، خاصة في ما يتعلق بملفات حقوق الإنسان والنزاعات.
تطرح الخطوة تساؤلات أوسع حول توازن السياسة البريطانية بين الالتزامات القانونية الدولية والمصالح السياسية والعسكرية، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية.
كما أن فقدان أدوات الرصد الدقيقة قد يؤثر على قدرة صناع القرار في لندن على تقييم الأوضاع بشكل موضوعي، ما قد ينعكس على مواقفها المستقبلية في المحافل الدولية في وقت تتزايد فيه الضغوط لمساءلة الدول عن دورها في النزاعات المسلحة.