أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحقيق “نصر كامل” على إيران موجة قلق داخل دوائر القرار في واشنطن، حيث حذر حلفاء مقربون ومسؤولون كبار من المبالغة في تقييم وضع لا يزال هشاً، في ظل وقف إطلاق نار قابل للانهيار.
وأكدت مصادر أمريكية أن المخاوف تتركز حول قدرة إيران على استئناف التصعيد، سواء عبر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو استهداف القوات الأمريكية في المنطقة، رغم الضربات التي تلقتها.
وأشارت المصادر إلى أن الرئيس تلقى تحذيرات مباشرة بشأن المخاطر التي قد تؤدي إلى انهيار الهدنة، مع التأكيد على أن طهران لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية مؤثرة.
وأوضحت التقديرات أن أكثر من نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية تم تدميرها، إلا أن عدداً كبيراً منها لا يزال مخبأً تحت الأرض، ما يتيح لإيران الحفاظ على جزء من قدراتها الهجومية.
وأضافت أن الحرس الثوري الإيراني لا يزال يمتلك عشرات الزوارق السريعة القادرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، رغم تدمير معظم الأسطول البحري التقليدي خلال الضربات.
ورغم هذه التحذيرات، واصلت الإدارة الأمريكية التأكيد على تفوقها العسكري، حيث وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت العملية التي استمرت خمسة أسابيع بأنها “انتصار عسكري”.
وأكدت أن قدرات إيران على إنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى تراجعت لسنوات، مشيرة إلى تدمير معظم الألغام البحرية وتراجع فعالية سلاح الجو الإيراني.
وفي السياق ذاته، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن الجيش الأمريكي حقق جميع أهدافه وفق الخطة وفي الوقت المحدد، مؤكداً أن واشنطن ستضمن إعادة فتح مضيق هرمز وتسليم إيران لليورانيوم المخصب.
ورغم إقرار مسؤولين وخبراء بأن القدرات العسكرية والنووية الإيرانية تعرضت لضربات قاسية، شددوا على أن طهران لا تزال تمتلك أدوات ضغط فعالة.
وأكد بهنام بن طالبلو أن إيران أُضعفت بشكل كبير، لكن بعض قدراتها لم تُدمّر بالكامل، ما يترك المجال مفتوحاً أمام عودة التهديد.
في المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي أن الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنشآت إنتاجها دُمّرت إلى حد كبير، وأن نفوذ طهران الإقليمي تراجع، معتبرة أن “أحلامها النووية انتهت”.
وأوضحت أن اللجوء إلى المسار الدبلوماسي جاء نتيجة نجاح سياسة “الضغط الأقصى”، معربة عن تفاؤل بإمكانية تحقيق سلام طويل الأمد.
لكن مسؤولين حذروا من أن إيران قد تستخدم ورقة مضيق هرمز لفرض شروطها، إذ أبلغت وسطاء بنيتها السماح بمرور عدد محدود من السفن يومياً مقابل رسوم، مع اشتراط الحصول على إذن مسبق للعبور.
وأشاروا إلى أن هذا الموقف قد يعقد المفاوضات، خاصة إذا رفضت واشنطن تقديم تنازلات، ما قد يؤدي إلى تجدد المواجهة.
كما تبرز مخاوف من رد إيراني محتمل على الضربات الإسرائيلية في لبنان، والتي استهدفت مواقع تابعة لحزب الله وأدت إلى سقوط قتلى وجرحى.
وأكدت تقديرات أن إيران، رغم تراجع قدراتها التقليدية، لا تزال قادرة على تهديد خصومها باستخدام ما تبقى من صواريخ وطائرات مسيّرة، وهو ما ظهر من خلال اعتراض دول خليجية لمقذوفات إيرانية بعد بدء وقف إطلاق النار.
وقال نيوت غينغريتش إن القلق يتمثل في احتمال أن تكون الولايات المتحدة قد بالغت في تقدير نتائج الحرب، متسائلاً عما إذا كان الاتفاق الحالي يعكس تغييراً حقيقياً أم مجرد هدنة مؤقتة.
من جانبه، أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين أن الضربات استهدفت نحو 80% من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، وأكثر من 1500 هدف، إضافة إلى مئات مواقع تخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأشار إلى أن الصناعة الدفاعية الإيرانية تعرضت لأضرار واسعة، بما في ذلك تدمير نسبة كبيرة من مصانع الصواريخ، ما يقلص قدراتها على المدى المتوسط.
لكن ملف اليورانيوم المخصب لا يزال يمثل التحدي الأكبر، إذ ترفض إيران التخلي عن حقها في التخصيب، في حين تطالب واشنطن بتسليم المخزون أو إخراجه من البلاد.
وتشير تقارير إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بكميات من اليورانيوم المخصب في منشآت رئيسية، ما يبقي احتمالات استئناف البرنامج النووي قائمة.
ودعا السيناتور ليندسي غراهام إلى السيطرة الكاملة على هذا المخزون لمنع طهران من تطوير قدرات نووية مستقبلية.
وأكد وزير الدفاع أن بلاده تدرس جميع الخيارات، بما في ذلك الاستيلاء على اليورانيوم إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، في خطوة قد تنطوي على مخاطر عسكرية كبيرة.
وتعكس هذه التطورات انقساماً واضحاً داخل واشنطن بين خطاب سياسي يعلن النصر، وتقديرات أمنية تحذر من أن الصراع لم يُحسم بعد، وأن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر تعقيداً.