كشفت أزمة الطاقة الأخيرة في الشرق الأوسط عن دور متزايد للصين في ضبط أسواق النفط العالمية، بعدما ساهمت سياسات بكين الهادئة في تخفيف تداعيات واحدة من أكبر الصدمات التي واجهت قطاع الطاقة خلال السنوات الأخيرة.
وأظهرت تحركات الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، أن بكين لم تعد مجرد قوة استهلاكية ضخمة تؤثر على الأسعار عبر زيادة الطلب، بل أصبحت لاعباً قادراً على امتصاص الأزمات والمساهمة في استقرار السوق من خلال إدارة الواردات والمخزونات الاستراتيجية.
وجاء هذا الدور في وقت شهدت فيه الأسواق العالمية اضطرابات كبيرة بسبب الأزمة في الخليج وتعطل جزء مهم من إمدادات النفط، بينما بقيت الأسعار أكثر استقراراً مما توقعه كثير من المحللين.
وقد استقر خام برنت عند مستويات قريبة من 92 دولاراً للبرميل، وهو مستوى اعتبره خبراء محدوداً مقارنة بحجم الاضطراب الناتج عن تراجع جزء من الإمدادات العالمية.
ورغم أن الأسواق تترقب نتائج المفاوضات بين واشنطن وطهران واحتمال إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة، فإن استقرار الأسعار لم يكن مرتبطاً فقط بالتوقعات السياسية، بل أيضاً بعوامل فعلية في مقدمتها سلوك الصين.
وخفضت بكين مشترياتها النفطية بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة، ما ساعد على تقليل الضغط على الإمدادات العالمية ومنح الدول المستهلكة الأخرى مساحة أكبر للتعامل مع الأزمة.
وتراجعت واردات الصين النفطية من متوسط بلغ نحو 11 مليون برميل يومياً خلال السنوات الماضية إلى حوالي 9.3 مليون برميل يومياً في أبريل، مع توقع استمرار الانخفاض خلال مايو ويونيو.
وساهم هذا التراجع في إبطاء استنزاف المخزونات العالمية وتخفيف المنافسة بين المشترين الآسيويين، في وقت كانت الأسواق تواجه مخاوف من نقص الإمدادات.
ويرى محللون أن غياب هذا التحرك الصيني كان سيجعل أزمة النفط الحالية أكثر حدة، وربما كان سيدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.
ولعبت الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية دوراً مهماً في احتواء الأزمة، إذ تمتلك الصين مخزونات ضخمة تقدر بما بين 1.1 و1.3 مليار برميل، مقارنة بتراجع الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي خلال السنوات الأخيرة بعد استخدام كميات كبيرة منه لمواجهة اضطرابات سوق الطاقة عقب الحرب الروسية الأوكرانية.
وكانت الصين قد عززت مخزوناتها النفطية خلال العام الماضي عبر عمليات شراء واسعة، وهي خطوة أثارت في ذلك الوقت تساؤلات بشأن دوافع بكين.
وتساءل محللون حينها عما إذا كانت الصين تستعد لاحتمالات مرتبطة بتايوان، أو تسعى لحماية اقتصادها من عقوبات وتوترات تجارية محتملة مع الولايات المتحدة، أو تستغل انخفاض الأسعار لبناء احتياطي ضخم.
لكن الأزمة الحالية أظهرت أن زيادة المخزون منحت بكين قدرة أكبر على التعامل مع الصدمات الجيوسياسية دون الدخول في سباق شراء يرفع الأسعار عالمياً.
وتعتمد الصين حالياً على مجموعة من الأدوات لإدارة الأزمة، بينها خفض الواردات، واستخدام جزء من المخزونات التجارية، وتعديل إنتاج المصافي وفق الاحتياجات الداخلية.
وخفضت المصافي الصينية معدلات التشغيل، مع إعطاء الأولوية لإنتاج الوقود الأساسي مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، وتقليل بعض المنتجات المرتبطة بقطاع البتروكيماويات الذي يعاني أصلاً من فائض في الإنتاج.
كما ساعد الانتشار السريع للسيارات الكهربائية داخل الصين والتباطؤ الاقتصادي النسبي في تقليل نمو الطلب على وقود النقل.
لكن خبراء يحذرون من أن قدرة الصين على تهدئة الأسواق ليست مفتوحة بلا حدود، خصوصاً إذا استمرت أزمة الخليج أو بقيت حركة الملاحة والطاقة تحت الضغط لفترة طويلة.
وقد تضطر بكين في مرحلة معينة إلى اتخاذ قرار أكثر صعوبة، إما بالسحب من احتياطياتها الاستراتيجية بكميات أكبر، أو العودة لزيادة الواردات، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع جديد في أسعار النفط عالمياً.
وتكشف الأزمة أيضاً جانباً حساساً يتعلق بنقص الشفافية في بيانات الطاقة الصينية، إذ لا تزال تفاصيل دقيقة حول حجم المخزونات والاستهلاك الحقيقي ومستويات التكرير غير واضحة للأسواق.
ويرى خبراء أن هذا الغموض يمنح الصين مرونة استراتيجية، لكنه يجعل توقعات سوق الطاقة العالمية أكثر صعوبة خلال الأزمات.
ويمثل الدور الحالي تحولاً كبيراً مقارنة ببداية صعود الصين الاقتصادي في العقد الأول من القرن الحالي، عندما كانت زيادة الطلب الصيني على النفط والمواد الخام سبباً رئيسياً في ارتفاع الأسعار.
أما اليوم، فقد أصبحت بكين في سوق الطاقة لاعباً يساعد على تحقيق التوازن، مستفيدة من قوة الدولة في توجيه القطاع المحلي وإدارة الاستهلاك والمخزون.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الصين انتقلت من مرحلة التأثير على أسواق الطاقة عبر الاستهلاك فقط، إلى مرحلة استخدام قوتها الاقتصادية ومخزوناتها الضخمة كأداة لتحقيق الاستقرار وحماية مصالحها.
ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، ستبقى قرارات بكين بشأن النفط عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسعار العالمية، سواء عبر مواصلة خفض الواردات أو العودة بقوة إلى السوق إذا رأت أن أمن الطاقة الداخلي أصبح مهدداً.