تستعد الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية لعقد تصويت تاريخي قد ينتهي بعزل المدعي العام كريم خان من منصبه، في سابقة هي الأولى منذ تأسيس المحكمة عام 2002، وسط انقسام واسع بشأن الإجراءات المتبعة ومخاوف متزايدة من تأثير القرار على استقلال المؤسسة القضائية الدولية ومستقبل التحقيقات في جرائم الحرب.
ويأتي التصويت خلال اجتماع جمعية الدول الأطراف، الهيئة الحاكمة للمحكمة التي تضم 125 دولة، حيث يتطلب قرار عزل المدعي العام الحصول على أغلبية مطلقة تبلغ 63 صوتًا، في واحدة من أكثر القضايا حساسية التي واجهتها المحكمة منذ إنشائها.
ويستند التصويت إلى مزاعم تتعلق بسوء السلوك، بعدما خلص مكتب جمعية الدول الأطراف إلى وجود علاقة غير لائقة بين خان وإحدى الموظفات، استنادًا إلى ما اعتبره اختلالًا في ميزان السلطة بين الطرفين، وهو توصيف أثار جدلًا واسعًا، خاصة أن الرواية الأصلية للمشتكية تضمنت اتهامات بسلوك غير رضائي، بينما نفى خان بشكل قاطع إقامة أي علاقة جنسية.
وفي المقابل، أكد الفريق القانوني لخان أن موكله حُرم من حق الدفاع عن نفسه قبل التصويت، مشيرًا إلى أنه لم يُسمح لمحاميه بحضور الجلسة أو مخاطبة الدول الأعضاء، كما اتهم الجهة المشرفة على الإجراءات بإغلاق جميع القنوات الرسمية التي تتيح تقديم دفوعه القانونية، معتبرًا أن ما جرى يمثل انتهاكًا لأبسط ضمانات العدالة والإجراءات القانونية السليمة.
وتكتسب القضية أهمية خاصة لأنها تأتي بعد تحقيق مطول أجراه مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة، شمل مزاعم سوء السلوك إضافة إلى اتهامات بالانتقام من موظفين داخل مكتب الادعاء.
وأعقب ذلك مراجعة قانونية أجرتها لجنة مكونة من ثلاثة قضاة، انتهت بالإجماع إلى أن الأدلة المتوافرة لا تثبت وقوع سوء سلوك أو إخلال بالواجب وفق الإطار القانوني المنظم لعمل المحكمة، كما لم تجد اللجنة أدلة تدعم مزاعم الانتقام من الموظفين.
ورغم تلك النتيجة، مضت جمعية الدول الأطراف في إجراءاتها التأديبية، وهو ما أثار انتقادات من دبلوماسيين وخبراء قانونيين ومنظمات حقوقية اعتبرت أن تجاوز رأي اللجنة القضائية يثير تساؤلات حول استقلالية العملية وإمكانية تسييسها.
وزادت القضية تعقيدًا بعد تهديدات أمريكية متكررة باستهداف المحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات على عدد من قضاتها ومدعيها العامين بسبب التحقيقات المتعلقة بجرائم الحرب في فلسطين وأفغانستان، الأمر الذي دفع مراقبين إلى الربط بين الضغوط السياسية الخارجية والتطورات الأخيرة داخل المحكمة.
وتعود بداية القضية إلى شكوى تضمنت مزاعم بوقوع اعتداءات جنسية خلال الفترة الممتدة بين مارس 2023 ومطلع 2024، حيث أُبلغ خان بهذه الادعاءات في مايو 2024، قبل أن يُفتح تحقيق داخلي أُغلق لاحقًا بعد رفض المشتكية التعاون مع المحققين.
وفي الشهر نفسه، تقدم مكتب الادعاء بطلبات لإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، إلى جانب ثلاثة من قادة حركة حماس، بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على خلفية الحرب في قطاع غزة.
وأعادت وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي إحياء القضية في أكتوبر 2024، ما دفع إلى فتح تحقيق جديد، قبل أن يُكلف مكتب خدمات الرقابة الداخلية بإجراء تحقيق خارجي استمر أكثر من عام، وأسفر عن تقرير موسع مدعوم بآلاف الصفحات من الأدلة، خضع لاحقًا لمراجعة لجنة قضائية مستقلة.
ورغم استنتاج اللجنة بعدم ثبوت المخالفات، أقرت أغلبية أعضاء المكتب المضي في إجراءات مساءلة خان، كما أثارت تعديلات أُدخلت على آلية التصويت انتقادات إضافية، بعدما جرى دمج مرحلتي إثبات سوء السلوك واتخاذ قرار العزل في تصويت واحد، بدلًا من التصويت عليهما بشكل منفصل، وهو ما اعتبره محامو خان تغييرًا لقواعد الإجراءات أثناء سير القضية بما يضر بحقوق موكلهم.
وفي حال موافقة أغلبية الدول الأعضاء على قرار العزل، سيدخل القرار حيز التنفيذ فورًا، لتبدأ المحكمة إجراءات اختيار مدعٍ عام جديد، بينما أعلن خان أنه سيطعن في القرار أمام المحكمة الإدارية التابعة لمنظمة العمل الدولية، المختصة بالنظر في النزاعات الوظيفية الخاصة بالعاملين في المنظمات الدولية.
ويترقب المجتمع القانوني الدولي نتيجة التصويت، في ظل تحذيرات من أن القضية قد تشكل اختبارًا حاسمًا لاستقلال المحكمة الجنائية الدولية، ولقدرتها على مواصلة عملها بعيدًا عن الضغوط السياسية، خاصة مع استمرارها في ملاحقة متهمين بارتكاب جرائم حرب في عدد من النزاعات الدولية، وفي مقدمتها فلسطين وأوكرانيا وميانمار وأفغانستان.