مركز حقوقي: إسرائيل تستخدم منع العودة إلى غزة أداة لترسيخ التهجير القسري

17

أكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تواصل اتباع سياسة ممنهجة تقوم على منع الفلسطينيين من العودة إلى قطاع غزة، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثل شكلاً من أشكال التهجير القسري، وتنتهك بصورة مباشرة القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، في ظل تزايد أعداد العالقين خارج القطاع من النساء والأطفال والمرضى وكبار السن.

وأوضح المركز، في بيان، أنه رصد خلال الأسابيع الأخيرة تصاعداً في حالات منع سكان قطاع غزة من العودة إلى منازلهم بعد انتهاء رحلات العلاج أو الزيارات الخارجية، من خلال رفض سلطات الاحتلال منحهم الموافقات الأمنية اللازمة للعبور، دون إبداء أي أسباب أو توفير آلية قانونية للطعن في هذه القرارات.

وبيّن أن آلية العودة المفروضة على الفلسطينيين تبدأ بتسجيل الأسماء لدى السفارة الفلسطينية في القاهرة أو عبر شركات تنسيق خاصة، قبل إرسالها إلى سلطات الاحتلال لإجراء ما يسمى بالفحص الأمني، وهي عملية قد تستغرق أياماً أو أسابيع، وتنتهي في كثير من الحالات برفض الطلبات بصورة مفاجئة، حتى بالنسبة للنساء والأطفال والمسنين.

وأشار المركز إلى أن هذه السياسة تحوّل الحق الأصيل للفلسطيني في العودة إلى وطنه ومكان إقامته إلى امتياز يخضع لقرار سلطات الاحتلال، في مخالفة صريحة للمعايير القانونية الدولية التي تكفل حق الإنسان في العودة إلى بلده دون قيود تعسفية.

وأكد المركز أنه وثق عدداً من الحالات الإنسانية التي تعكس حجم المعاناة الناجمة عن هذه الإجراءات، من بينها نساء بقين عالقات خارج قطاع غزة لأشهر وسنوات، بعد منعهن من العودة إلى أسرهن، إضافة إلى مرضى أنهوا برامج علاجهم في الخارج لكنهم ما زالوا محرومين من العودة، الأمر الذي فاقم أوضاعهم الإنسانية والنفسية.

ونقل المركز شهادة سيدة فلسطينية تبلغ من العمر 34 عاماً، قالت إنها غادرت القطاع للعلاج بعد أشهر من الحرب، وتركت زوجها وأطفالها داخل غزة، وعندما قررت العودة وسجلت اسمها للسفر، فوجئت بإبلاغها بأن سلطات الاحتلال رفضت السماح لها بالدخول دون معرفة الأسباب، مؤكدة أنها تعيش صدمة كبيرة بعدما ظنت أن لقاء أطفالها بات وشيكاً.

كما وثق المركز شهادة سيدة أخرى أوضحت أنها قررت العودة رغم استمرار الحرب والمجاعة في القطاع من أجل لم شمل أسرتها، لكنها فوجئت أيضاً بمنعها من العودة، متسائلة عن سبب خضوع حقها في العودة إلى منزلها المدمر لموافقة الاحتلال.

وفي شهادة أخرى، قال فلسطيني مسن يبلغ من العمر 68 عاماً إنه غادر غزة لتلقي العلاج على أمل العودة فور انتهائه، إلا أن سلطات الاحتلال رفضت طلبه، مؤكداً أن أكثر ما يؤلمه هو بقاؤه بعيداً عن أبنائه وأحفاده وعدم تمكنه من قضاء ما تبقى من حياته بينهم.

وأكد المركز أن الفلسطينيين الذين يحصلون على موافقات للعودة لا يسلمون أيضاً من الانتهاكات، إذ يخضعون لإجراءات أمنية وصفها بالمعقدة والمهينة، تشمل عمليات تفتيش مطولة، واستجوابات متكررة، ومصادرة مقتنيات شخصية، إلى جانب توثيق حالات اعتقال لعائدين كانوا يحملون موافقات مسبقة، فضلاً عن تعرض بعضهم، بمن فيهم نساء، للضرب وسوء المعاملة والتهديد والابتزاز أثناء العبور.

واعتبر أن تراكم هذه الممارسات يكشف عن سياسة إسرائيلية ممنهجة تتجاوز الادعاءات الأمنية، وتهدف إلى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين، وإضعاف الروابط الأسرية والاجتماعية، وفرض قيود تعسفية على حق العودة، بما ينسجم مع سياسات أوسع تستهدف إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في قطاع غزة وترسيخ التهجير القسري.

وأوضح المركز أن هذه الإجراءات تشكل انتهاكاً للمادة (12/4) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على عدم جواز حرمان أي شخص تعسفاً من حقه في الدخول إلى بلده، كما تنتهك المواد المتعلقة بحماية الأسرة والحياة الأسرية، إضافة إلى مخالفتها لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تفريق الأسر أو نقل السكان قسراً في الأراضي المحتلة.

وأضاف أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر الإبعاد أو النقل القسري للسكان، إذا ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين، جريمة ضد الإنسانية، كما يعد النقل غير المشروع للأشخاص المحميين من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.

وحذر المركز من أن استخدام الاحتلال السيطرة على المعابر وحرية الحركة كوسيلة لمنع الفلسطينيين من العودة إلى أماكن إقامتهم لا يمكن فصله عن سياسة أوسع تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في قطاع غزة، وإبقاء آلاف السكان خارج وطنهم، بما يخدم مخططات تغيير الواقع السكاني في القطاع.

ودعا الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمقررين الخاصين المعنيين بحقوق الإنسان، إلى التحرك العاجل لضمان عودة جميع الفلسطينيين العالقين خارج قطاع غزة دون قيد أو شرط، ووضع حد لسياسة المنع التعسفي، وتأمين آليات عبور إنسانية تحترم الكرامة الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين.

وشدد المركز في ختام بيانه على أن حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، وحرية التنقل، ووحدة الأسرة، حقوق مكفولة بموجب القانون الدولي ولا يجوز تعطيلها بإرادة سلطة الاحتلال، مؤكداً أن استمرار هذه السياسة يستوجب تحركاً دولياً عاجلاً لوقفها وضمان عدم إفلات مرتكبيها من المساءلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.