كشفت صحيفة بوليتيكو الأمريكية أن الإمارات نجحت في بناء نفوذ واسع داخل منظومة كرة القدم العالمية، رغم غياب منتخبها عن نهائيات كأس العالم منذ مشاركته الوحيدة عام 1990، وذلك عبر التوسع في المناصب الإدارية والقضائية داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، بدلاً من الاعتماد على الإنجازات الرياضية أو استضافة البطولات الكبرى.
وأوضحت الصحيفة أن الجدل الذي رافق بطولة كأس العالم الأخيرة سلط الضوء على هذا النفوذ، بعدما تصدر اسم الإماراتي محمد الكمالي المشهد إثر تقارير إعلامية تحدثت عن اتخاذه قراراً منفرداً بتأجيل تنفيذ عقوبة الإيقاف المفروضة على المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون عقب حصوله على بطاقة حمراء، وهو قرار أثار تساؤلات بشأن استقلالية الأجهزة القضائية داخل “فيفا”.
وأشارت إلى أن الكمالي يشغل رئاسة لجنة الانضباط في الاتحاد الدولي لكرة القدم منذ مايو 2025، وهو المنصب الذي منحه صلاحيات واسعة داخل المنظومة القضائية للفيفا، في وقت اعتبر فيه مراقبون أن القضية كشفت حجم النفوذ الذي باتت تتمتع به الإمارات داخل مؤسسات إدارة كرة القدم العالمية.
وأضافت بوليتيكو أن الإمارات اختارت مساراً مختلفاً عن دول خليجية أخرى مثل قطر والسعودية، اللتين اعتمدتا على استضافة البطولات الكبرى لتعزيز حضورهما الرياضي، إذ ركزت أبوظبي ودبي على التغلغل داخل المؤسسات الإدارية والقانونية للفيفا، والحصول على مواقع مؤثرة في صناعة القرار الرياضي العالمي.
وبيّنت أن هذا النفوذ امتد إلى استضافة بطولات دولية فرعية، مثل كأس العالم لكرة القدم الشاطئية وكأس العالم للأندية، إلى جانب حصول مجلس دبي الرياضي على الحقوق الحصرية لاستضافة حفل جوائز “فيفا” السنوي، في خطوة عززت الحضور الإماراتي داخل المؤسسة الدولية.
ووفق الصحيفة، فإن محمد الكمالي راكم خلال العقود الماضية سلسلة طويلة من المناصب الرياضية، شملت العمل محكماً في محكمة التحكيم الرياضية، ورئاسة لجنة النزاهة المستقلة في الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، وعضوية لجنة الأخلاقيات في “فيفا”، إضافة إلى عضوية المجلس التنفيذي لاتحاد الإمارات للفروسية وعدد من المؤسسات الرياضية والأولمبية.
ورأت بوليتيكو أن هذا التداخل الكبير في المناصب والعلاقات المؤسسية يثير تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الخبرة المهنية والنفوذ السياسي والإداري، خاصة عندما يتعلق الأمر بمناصب يفترض أن تتمتع باستقلالية كاملة في اتخاذ القرارات.
ونقلت الصحيفة عن ميغيل مادورو، الرئيس السابق للجنة الحوكمة والمراجعة في “فيفا”، قوله إن تعيين مسؤولين من دول ليست من القوى التقليدية في كرة القدم قد يبدو خياراً توافقياً، لأنهم يظهرون بمظهر أكثر حيادية مقارنة بممثلي الدول الكروية الكبرى، إلا أن ذلك لا يلغي المخاوف المتعلقة باستقلالية القرار.
وأضاف مادورو أن القضية المتعلقة باللاعب الأمريكي فولارين بالوغون تمثل نموذجاً لهذه الإشكالية، إذ إن اتخاذ قرار بهذه الحساسية من قبل شخص واحد، بدلاً من اللجنة كاملة، يقلل من مستوى الرقابة الداخلية ويثير الشكوك حول آليات صنع القرار داخل الاتحاد الدولي.
وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن بنفسه أنه أجرى اتصالاً برئيس “فيفا” جياني إنفانتينو دعماً للاستئناف الذي تقدم به الاتحاد الأمريكي لكرة القدم بشأن عقوبة بالوغون، بينما رفض الكمالي الرد على أسئلة الصحفيين خلال البطولة حول ظروف اتخاذ القرار.
ورغم أن لوائح “فيفا” تسمح لرئيس لجنة الانضباط باتخاذ قرارات منفردة في ظروف استثنائية، فإن بوليتيكو اعتبرت أن حساسية القضية وحجم الاهتمام الإعلامي والسياسي بها كانا يستوجبان عرضها على اللجنة كاملة، حفاظاً على الحد الأدنى من الشفافية والرقابة المؤسسية.
وأوضحت الصحيفة أن الإمارات وسعت خلال السنوات الأخيرة حضورها داخل المؤسسات الرياضية الدولية عبر شبكة من الاتفاقيات والعلاقات الإدارية، ما جعلها لاعباً مؤثراً في حوكمة كرة القدم العالمية، رغم عدم امتلاكها سجلاً رياضياً يوازي هذا النفوذ.
وأكدت أن هذا النموذج يعكس استراتيجية مختلفة تقوم على بناء النفوذ من داخل المؤسسات، وليس عبر الإنجازات داخل المستطيل الأخضر، وهو ما منح الإمارات قدرة متزايدة على التأثير في ملفات تنظيمية وقضائية وإدارية تتجاوز حدود مشاركتها الرياضية.