ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب لن يؤدي غالباً إلى تحول دائم بعيداً عن الوقود الأحفوري

60

يرى محللون أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة الحرب في الشرق الأوسط قد لا يؤدي إلى تحول دائم في أنماط استهلاك الطاقة، ما لم تستمر الأسعار المرتفعة لسنوات طويلة وليس لفترة قصيرة.

وبحسب تحليل نشره موقع أكسيوس فإن أسعار النفط التي تجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل بعد الحرب مع إيران أعادت طرح السؤال التقليدي حول ما إذا كانت الأسعار المرتفعة ستدفع المستهلكين نحو السيارات الكهربائية أو الطاقة المتجددة.

لكن التقرير يشير إلى أن التحولات الكبرى في أسواق الطاقة لا تحدث نتيجة صدمات قصيرة الأجل، بل تتطلب سياسات مستقرة وإشارات سوقية تستمر لعقود.

وتراجعت أسعار النفط مؤقتاً بعد إشارات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رغبته في إنهاء الحرب بسرعة، إضافة إلى حديثه عن اتخاذ خطوات لخفض أسعار النفط العالمية.

لكن الخبراء يقولون إن التقلبات السعرية الناتجة عن الأزمات الجيوسياسية غالباً ما تكون مؤقتة، ولم تؤد تاريخياً إلى تغييرات هيكلية دائمة في استهلاك الطاقة، خصوصاً في الولايات المتحدة.

وقال بوب ماكنالي، رئيس شركة رابيدان إنرجي جروب والمستشار السابق للرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش في قضايا أمن الطاقة، إن المستهلكين اعتادوا خلال العقدين الماضيين على التقلبات الحادة في أسعار النفط.

وأضاف أن أسعار النفط شهدت موجات صعود وهبوط متكررة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 وحتى جائحة كوفيد-19 عام 2020.

وأوضح أن المستهلكين تعلموا أن فترات الارتفاع عادة ما تتبعها فترات انخفاض، وهو ما يقلل من احتمالات اتخاذ قرارات طويلة الأمد مثل التحول السريع إلى السيارات الكهربائية.

ويشير التقرير إلى أن النقاش حول أسعار النفط غالباً ما يغفل الفروق بين أنواع الطاقة المختلفة.

فالنفط يستخدم أساساً في قطاع النقل، ويتم تسعيره في سوق عالمية، ما يعني أن أسعار البنزين في الولايات المتحدة ترتفع حتى عندما يكون الإنتاج المحلي قوياً.

أما الغاز الطبيعي فيتم تسعيره على مستوى إقليمي، وتوفر الإمدادات الكبيرة في الولايات المتحدة درجة من الحماية للمستهلكين الأمريكيين من الصدمات العالمية.

ويستخدم الغاز الطبيعي بشكل أساسي في توليد الكهرباء والصناعة، بينما نادراً ما يستخدم في تشغيل السيارات، وهو ما يفسر عدم تحرك أسعار النفط والغاز بنفس الوتيرة.

ويرى التقرير أن الاقتصاد الأمريكي أصبح أقل اعتماداً على النفط مقارنة بالفترات السابقة التي شهدت ارتفاعات كبيرة في الأسعار، مثل سبعينيات القرن الماضي أو بداية الألفية الجديدة.

لكن ذلك لا يمنع شعور المستهلكين بصدمة الأسعار عند محطات الوقود، وهو عامل قد يصبح مؤثراً في النقاشات السياسية والحملات الانتخابية.

وتشير تقديرات شركة ريستاد إنرجي إلى أن السيناريوهات الحالية للأزمة تتوقع اضطرابات في إمدادات النفط قد تستمر لبضعة أشهر فقط، وليس لسنوات.

ودرست الشركة احتمال تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لمدة شهرين أو أربعة أشهر، مشيرة إلى أن السيناريو الأقصر يبدو أكثر احتمالاً في الوقت الحالي.

لكن التقرير يحذر من أن التأثير الحقيقي لأي أزمة طاقة لا يعتمد فقط على مستوى الأسعار، بل أيضاً على كيفية تغير تصور المخاطر الجيوسياسية لدى الحكومات والشركات.

وقال جيسون بوردوف، المدير المؤسس لـ مركز كولومبيا لسياسة الطاقة العالمية والمستشار السابق للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في قضايا الطاقة، إن السؤال الحقيقي ليس مدى ارتفاع أسعار النفط فقط، بل ما إذا كانت الأزمة ستغير نظرة الدول إلى المخاطر الجيوسياسية بشكل دائم.

وأشار التقرير إلى أن تجربة أوروبا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 تمثل مثالاً على كيفية حدوث تحولات هيكلية في سوق الطاقة.

فقد خفضت أوروبا بشكل كبير اعتمادها على الغاز الروسي بعد قطع الإمدادات، وسعت إلى استبداله بمصادر أخرى.

ومع ذلك، لا يزال بعض الغاز الروسي يصل إلى الأسواق الأوروبية حتى اليوم.

من ناحية أخرى، يشير خبراء سوق السيارات إلى أن الاهتمام بالسيارات الكهربائية عادة ما يرتفع عندما ترتفع أسعار البنزين.

وقالت جيسيكا كالدويل، رئيسة قسم الرؤى في موقع إدموندز، إن الاهتمام بالسيارات الكهربائية يزداد عادة خلال فترات ارتفاع أسعار الوقود.

لكنها أوضحت أن المستهلكين اليوم يواجهون ظروفاً مالية صعبة بسبب ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف الشراء المرتفعة.

وأضافت أن استمرار الإقبال على السيارات الكهربائية يعتمد في النهاية على مدى اعتقاد المستهلكين بأن التوترات الجيوسياسية ستبقي أسعار النفط مرتفعة لفترة طويلة.

ويخلص التقرير إلى أن العامل الحاسم لن يكون فقط ارتفاع الأسعار، بل مدة استمرارها، إذ إن التحولات الكبرى في أنماط الطاقة تحتاج إلى سنوات من الأسعار المرتفعة والاستقرار في السياسات، وليس مجرد أزمة مؤقتة في الأسواق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.