رفعت الولايات المتحدة مستوى انتشارها العسكري في الشرق الأوسط إلى أكثر من 50 ألف جندي، في تصعيد يعكس انتقال الحرب مع إيران إلى مرحلة أكثر خطورة، وسط مؤشرات على دراسة خيارات هجومية قد تشمل السيطرة على مواقع استراتيجية في الخليج.
وأكدت تقارير نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” أن وصول نحو 2500 من مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) و2500 بحّار إضافي أدى إلى رفع إجمالي القوات الأمريكية في المنطقة بنحو 10 آلاف جندي فوق المعدلات المعتادة، في خطوة تعزز قدرات التدخل السريع وتوسّع هامش الخيارات العسكرية المتاحة للإدارة الأمريكية.
وجاءت هذه التعزيزات في توقيت حساس، مع دخول الحرب شهرها الأول، بينما لا يزال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس خطواته التالية، في ظل تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية لتحقيق مكاسب ميدانية، خاصة في ظل تعثر مسارات الحسم السريع.
وتشير المعطيات إلى أن القوات الجديدة تنتمي إلى وحدة المشاة البحرية الاستكشافية الحادية والثلاثين، وهي وحدة معروفة بقدرتها على تنفيذ عمليات برمائية سريعة، ما يعزز فرضية التحضير لعمليات إنزال أو هجمات محدودة على أهداف ساحلية أو جزر استراتيجية.
ورغم ذلك، لا تزال المهام الدقيقة لهذه القوات غير معلنة، إلا أن مسؤولين أمريكيين أشاروا إلى أن الإدارة تدرس خيارات تصعيدية، تشمل احتمال تنفيذ هجوم أوسع، مثل السيطرة على جزيرة إيرانية أو مواقع أخرى، في إطار مسعى لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة.
ويُعد مضيق هرمز نقطة ارتكاز أساسية في الصراع، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وقد أدى إغلاقه شبه الكامل نتيجة الهجمات الإيرانية إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة، ما زاد من الضغوط على واشنطن للتحرك عسكريًا لضمان تدفق الإمدادات.
وتعكس هذه التطورات تحوّلًا في الاستراتيجية الأمريكية، من الاكتفاء بالضربات الجوية إلى التفكير في عمليات برية أو برمائية محدودة، تهدف إلى السيطرة على مفاصل جغرافية حيوية دون الانخراط في حرب شاملة داخل العمق الإيراني.
وعادةً ما تحافظ الولايات المتحدة على وجود عسكري يقارب 40 ألف جندي في المنطقة، موزعين بين قواعد برية وبحرية في عدة دول، بينها السعودية والبحرين والعراق وسوريا والأردن وقطر والإمارات والكويت، إلا أن الزيادة الأخيرة تعكس انتقال الانتشار من وضع الردع إلى الاستعداد للعمليات.
ويرى مراقبون أن هذا الحشد العسكري يعزز قدرة واشنطن على تنفيذ عمليات متعددة السيناريوهات، بدءًا من حماية الملاحة، وصولًا إلى تنفيذ ضربات برية محدودة أو السيطرة على مواقع استراتيجية، في إطار الضغط على إيران لتقديم تنازلات سياسية.
في المقابل، يرفع هذا التصعيد من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع، خاصة في ظل التهديدات الإيرانية باستهداف القوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة، إضافة إلى امتلاك طهران أدوات متعددة للرد، تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف الممرات البحرية.
وتأتي هذه التحركات في سياق أوسع من التصعيد، حيث تسعى واشنطن إلى فرض واقع ميداني جديد يوازي مسار التفاوض، من خلال استخدام القوة العسكرية كأداة ضغط مباشرة، في محاولة لإجبار إيران على تعديل سلوكها الإقليمي وبرنامجها النووي.
لكن هذا النهج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها كلفة أي تدخل بري محتمل، والمخاطر المرتبطة بتأمين القوات في بيئة معادية، إضافة إلى احتمال توسع المواجهة لتشمل أطرافًا إقليمية أخرى، ما قد يحول النزاع إلى حرب واسعة النطاق.
وتعكس زيادة عدد القوات الأمريكية إلى أكثر من 50 ألف جندي مرحلة جديدة من الحرب، تتسم بتكثيف الحضور العسكري والاستعداد لخيارات أكثر حدة، في وقت تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية العالمية الناتجة عن اضطراب أسواق الطاقة.
في ظل هذا المشهد، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حاسم، حيث قد يؤدي أي قرار بتنفيذ عمليات برية أو السيطرة على مواقع استراتيجية إلى إعادة تشكيل موازين القوة، أو إلى إشعال مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها، ما يجعل المرحلة المقبلة الأكثر خطورة منذ بداية الحرب.