هولندا تعيد النظر في اعتمادها الواسع على التكنولوجيا الأمريكية وسط مخاوف أمنية

107

بدأت هولندا مراجعة جدية لاعتمادها العميق على التكنولوجيا الأمريكية، بعدما أثار احتمال انتقال بنية رقمية حساسة إلى ملكية أمريكية مخاوف واسعة بشأن الأمن القومي والسيادة الرقمية.

ويتركز الجدل الحالي حول أداة الهوية الرقمية الحكومية DigiD، التي يعتمد عليها تقريباً كل مواطن هولندي في حياته اليومية، من حجز المواعيد الطبية إلى إنجاز المعاملات الحكومية وشراء العقارات.

وتصاعدت المخاوف عقب إعلان شركة Kyndryl الأمريكية، المتخصصة في خدمات الحوسبة السحابية والمنبثقة عن «آي بي إم»، نيتها الاستحواذ على شركة Solvinity الهولندية، وهي الجهة التي توفر المنصة التقنية التي تعمل عليها DigiD.

ورغم أن الشركة الهولندية لا تمتلك الأداة نفسها، فإن سيطرتها على البنية التحتية التي تشغّلها جعلت الصفقة تبدو، في نظر منتقديها، بمثابة نقل غير مباشر لمفاتيح الحياة الرقمية الهولندية إلى الخارج.

وفي البرلمان الهولندي، ناقش أعضاء لجنة الشؤون الرقمية القضية هذا الأسبوع وسط ضغط شعبي متصاعد. فقد تلقى النواب عريضة موقعة من نحو 140 ألف شخص تطالب الحكومة بمنع عملية الاستحواذ.

وجاء في العريضة تحذير صريح من أن أي خلاف سياسي مع واشنطن قد يعرّض الخدمات العامة الهولندية للخطر، معتبرة أن «القدرة على إغلاق الحكومة بضغطة زر» تمثل تهديداً غير مقبول.

وقد أعاد الجدل إلى الواجهة نقاشاً أوسع حول اعتماد هولندا المكثف على الخدمات الرقمية الأمريكية.

فبحسب تحقيق بثته هيئة الإذاعة العامة الهولندية، يعتمد نحو ثلثي أسماء النطاقات الخاصة بالحكومات والمدارس والمؤسسات الحيوية على مزود خدمة سحابية أمريكي واحد على الأقل، وتأتي مايكروسوفت في الصدارة.

ويقول خبير الأمن السيبراني الهولندي بيرت هوبرت إن هذا الاعتماد بلغ مستوى غير مسبوق. وأضاف: «نحن أكثر دولة في العالم حباً لمنتجات مايكروسوفت.

وتستخدم الحكومة الهولندية هذه المنتجات أكثر مما تستخدمها الحكومة الأمريكية نفسها». ويرى هوبرت أن هذا الوضع، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كخيار عملي وفعال، بات اليوم نقطة ضعف استراتيجية في ظل التوترات السياسية عبر الأطلسي.

وتعزز هذه المخاوف تصريحات خبراء وقانونيين حذروا من أن إخضاع البنية الرقمية الهولندية لقوانين أمريكية، مثل قانون السحابة الأمريكي، قد يسمح للسلطات في واشنطن بطلب الوصول إلى بيانات مخزنة داخل الاتحاد الأوروبي إذا كانت الخدمة مقدمة من شركة أمريكية.

وتقول النائبة باربرا كاثمان، المتخصصة في الشؤون الرقمية، إن هذا الأمر «يشكل خطراً مباشراً على خصوصية البيانات والسيادة القانونية».

وقد وجّهت مجموعة من الخبراء، بينهم هوبرت، رسالة رسمية إلى الوزارة المعنية بمراجعة صفقات الاستحواذ، حذروا فيها من أن نقل بنية تحتية رقمية حيوية إلى ملكية أمريكية «يزيد من تعرض هولندا للانقطاعات أو التلاعب أو حتى الابتزاز».

كما أشاروا إلى أن أي تعطّل أو ضغط سياسي قد تكون له آثار فورية على حياة الملايين.

وفي العام الماضي، قررت المحكمة الجنائية الدولية، ومقرها لاهاي، التخلي عن خدمات مايكروسوفت بسبب مخاوف من العقوبات الأمريكية وتأثيرها على استقلالية عمل المحكمة، وهو مثال يُستشهد به الآن داخل الأوساط السياسية الهولندية.

من جانبها، أكدت وزارة الاقتصاد الهولندية أن الصفقة قيد الدراسة حالياً، وأنها تخضع لتقييم دقيق من زاوية الأمن القومي. وقال ممثل للوزارة أمام البرلمان إن الحكومة لن تتردد في التدخل إذا ثبت أن الاستحواذ يشكل خطراً على المصالح الحيوية للبلاد.

أما شركة Kyndryl، فقد شددت في بيان لها على التزامها بالقوانين الهولندية والأوروبية المتعلقة بحماية البيانات، مؤكدة أنها ستواصل احترام جميع الالتزامات القائمة تجاه عملاء Solvinity.

وبينما لا يزال القرار النهائي معلقاً، يبدو أن قضية DigiD فتحت نقاشاً أعمق في هولندا حول الحاجة إلى تقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية وبناء قدرات رقمية أوروبية أكثر استقلالية، في عالم باتت فيه البيانات والبنية التحتية الرقمية جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.