كشفت صحيفة “نيويورك بوست” الأمريكية أن الرئيس دونالد ترامب لا يتعجل العودة إلى خيار الحرب مع إيران رغم استمرار التوترات العسكرية واتهام طهران باختبار حدود وقف إطلاق النار، في ظل رهان البيت الأبيض حتى الآن على إمكانية تحقيق اختراق عبر المفاوضات النووية.
وقالت الصحيفة إن ترامب، الذي حذر مراراً من أن الخيار العسكري سيبقى مطروحاً إذا فشل المسار الدبلوماسي، لا يزال يمنح المفاوضات فرصة رغم مرور نحو شهرين على إعلان وقف إطلاق النار الهش بين الجانبين.
ويأتي هذا الموقف في وقت ترى فيه أوساط أمريكية أن إيران تحاول استغلال التردد الأمريكي عبر خطوات تصعيدية محسوبة دون الوصول إلى نقطة تؤدي إلى مواجهة عسكرية شاملة.
وقال أليكس بليتساس، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية والباحث في المجلس الأطلسي، إن ترامب لم يصدر أوامر بتنفيذ ضربة جديدة حتى الآن لأنه ما زال يعتقد بإمكانية حل الملف الإيراني عبر القنوات الدبلوماسية.
وأضاف بليتساس أن الرئيس الأمريكي “ما زال يثق في العملية الجارية خلال هذه المرحلة”، لكنه أشار إلى أن فقدان هذه الثقة سيغير الحسابات سريعاً.
وأكد أن الخيارات العسكرية ستعود إلى الواجهة فوراً إذا خلص ترامب إلى أن المفاوضات لن تحقق النتائج التي يريدها، مشيراً إلى أن القوات الأمريكية مستعدة للتحرك عند صدور أي أوامر.
وتقول الإدارة الأمريكية إن بطء مسار التفاوض لا يرتبط فقط بالخلافات السياسية، بل يعود أيضاً إلى تعقيدات لوجستية مرتبطة بطريقة التواصل غير المباشر مع إيران.
وبحسب مسؤول في البيت الأبيض، فإن نقل الرسائل بين الجانبين يستغرق أحياناً يومين أو ثلاثة أيام، بسبب اعتماد الوسطاء على إيصالها بين المفاوضين والمسؤولين أصحاب القرار في طهران.
وتسعى واشنطن عبر هذا المسار إلى اختبار إمكانية الوصول إلى تفاهم جديد بشأن البرنامج النووي الإيراني، مع إبقاء الضغط العسكري قائماً كأداة ردع.
لكن منتقدين داخل الولايات المتحدة يرون أن طهران تستغل هذه الفترة لتعزيز موقعها التفاوضي.
وقالت دانييل بليتكا، الباحثة في معهد أميركان إنتربرايز، إن الإيرانيين باتوا يعتقدون أنهم يملكون موقع قوة أكبر بسبب ما تعتبره تجاوزاً تدريجياً لشروط وقف إطلاق النار والخطوط الحمراء التي وضعها ترامب.
وأضافت أن غياب رد عسكري أمريكي واسع، والاكتفاء بضربات دفاعية محدودة، عزز قناعة طهران بأنها تستطيع المناورة سياسياً وعسكرياً.
وبحسب بليتكا، تعتقد القيادة الإيرانية أنها قادرة على الضغط على ترامب وفريقه التفاوضي من أجل تحسين شروط أي اتفاق مستقبلي، بما في ذلك الملفات الإقليمية المرتبطة بحلفاء إيران.
وترى أوساط أمريكية أن ترامب يواجه معادلة دقيقة بين تجنب الانجرار إلى حرب طويلة في الشرق الأوسط وبين الحفاظ على صورة الردع الأمريكي أمام إيران.
فأي تصعيد عسكري واسع قد يؤدي إلى انهيار المفاوضات بالكامل وفتح مواجهة إقليمية يصعب التحكم بمسارها، بينما قد يؤدي استمرار ضبط النفس إلى اتهام الإدارة بإعطاء طهران مساحة أكبر للمناورة.
وتشير التقديرات إلى أن استراتيجية البيت الأبيض الحالية تقوم على استخدام التهديد العسكري كوسيلة ضغط، وليس كخيار أول، مع محاولة الوصول إلى اتفاق يمنع توسع الأزمة.
ورغم استمرار التحذيرات الأمريكية، فإن قرار العودة إلى الحرب يبدو مرتبطاً بنتيجة المسار الدبلوماسي ومدى قناعة ترامب بأن إيران مستعدة لتقديم تنازلات حقيقية.
وبذلك تبقى العلاقة بين واشنطن وطهران معلقة بين خيارين متناقضين: مفاوضات بطيئة قد تقود إلى تسوية، أو انهيار مفاجئ يعيد المنطقة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.