يواجه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف واحدة من أكثر المراحل حساسية في مسيرته السياسية، مع تصدره جهود التفاوض بين طهران وواشنطن، في وقت يتعرض فيه لانتقادات متزايدة من التيار المحافظ المتشدد الذي يتهمه بتقديم تنازلات تمس المصالح الاستراتيجية لإيران.
وبرز قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري الإيراني، خلال الأشهر الأخيرة باعتباره أحد أبرز المسؤولين الداعمين للحل الدبلوماسي مع الولايات المتحدة، في تحول سياسي لافت بالنسبة لشخصية ارتبط اسمها لعقود بالمؤسسة الأمنية والعسكرية في الجمهورية الإسلامية.
وتشير تقارير إلى أن قاليباف يقود مسار التفاوض مع الإدارة الأمريكية بهدف احتواء المواجهة بين البلدين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الشراكة الاستراتيجية مع الصين، في إطار رؤية توصف بأنها تجمع بين البراغماتية السياسية والحفاظ على الثوابت الاستراتيجية الإيرانية.
وبحسب مصادر سياسية، فإن قاليباف يحظى بدعم من مجتبى خامنئي، الذي تشير التقارير إلى أنه يساند توجهه نحو تسوية الخلاف مع واشنطن، وهو ما ساعده على مواجهة الضغوط المتزايدة من خصومه داخل المعسكر المحافظ.
وأضافت المصادر أن العلاقة بين قاليباف ومجتبى خامنئي تعززت تدريجياً منذ مطلع الألفية الحالية، لتتحول إلى شراكة سياسية وفرت لرئيس البرلمان غطاءً سياسياً خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة.
وأوضحت أن شخصيات متشددة حاولت ممارسة ضغوط لوقف هذا المسار عقب الجولة الأولى من المحادثات التي عقدت في إسلام آباد، متهمة قاليباف بتجاوز ما تعتبره الخطوط الحمراء للسياسة الإيرانية، إلا أن تلك الضغوط لم تؤد إلى تغيير موقف القيادة.
ويعد قاليباف من قدامى المحاربين في الحرب العراقية الإيرانية، حيث انضم إلى الحرس الثوري في بدايات شبابه، وشارك في المعارك على الجبهات، قبل أن يتدرج في المناصب العسكرية حتى تولى قيادة القوات الجوية للحرس الثوري.
كما شغل لاحقاً منصب قائد قوات إنفاذ القانون الإيرانية، ليصبح أحد أصغر المسؤولين الأمنيين في البلاد، قبل انتقاله إلى العمل السياسي، حيث خاض ثلاث حملات رئاسية، وانتخب رئيساً لبلدية طهران لمدة اثني عشر عاماً، ثم تولى رئاسة البرلمان.
وعرف قاليباف خلال مسيرته السياسية بلقب “المدير الجهادي”، وهو مصطلح يستخدم في الخطاب السياسي الإيراني للإشارة إلى المسؤول التنفيذي الذي يجمع بين النهج الثوري والتركيز على الكفاءة الإدارية.
ورغم انتمائه إلى التيار المحافظ، دخل قاليباف خلال السنوات الماضية في خلافات مع شخصيات بارزة داخل المعسكر نفسه، من بينها الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، كما تعرض لانتقادات متكررة من وسائل إعلام محافظة ومن شخصيات تنتمي إلى جبهة “بايداري” المعروفة بمواقفها المتشددة.
وتصاعدت حدة هذه الانتقادات مع اقتراب طهران وواشنطن من التوصل إلى مذكرة تفاهم لإنهاء المواجهة العسكرية، إذ خرجت تظاهرات في طهران ومشهد تندد بالمفاوضات، ووجه المشاركون فيها اتهامات لقاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي بالتفريط بالمصالح الوطنية.
وردد المحتجون شعارات تطالب باستقالة المسؤولين عن المفاوضات، بينما انتقد نواب وشخصيات محافظة بنود الاتفاق المقترح، معتبرين أنها تمثل تنازلات غير مقبولة، خاصة ما يتعلق بملفات استراتيجية مثل مضيق هرمز.
كما صعد عدد من النواب المحسوبين على التيار المحافظ من انتقاداتهم بعد انهيار مذكرة التفاهم واستئناف المواجهة العسكرية، محملين قاليباف والحكومة مسؤولية فشل الرهان على المفاوضات في إنهاء الحرب ورفع العقوبات.
في المقابل، شهد المشهد السياسي الإيراني تحولاً لافتاً مع إعلان عدد من الشخصيات والتيارات الإصلاحية دعمها العلني لقاليباف، رغم الخلافات التي كانت تجمع الطرفين خلال السنوات الماضية.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يمثل ضرورة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وإعادة البلاد إلى مسار التنمية، معتبرين أن استمرار المواجهة يفاقم الأعباء الاقتصادية ويحد من فرص الاستقرار.
ويعكس هذا التحول السياسي تغيراً في خريطة التحالفات داخل إيران، إذ بات قاليباف، الذي ارتبط اسمه سابقاً بالمؤسسة الأمنية، يحظى بدعم من بعض الأوساط الإصلاحية بسبب رهانه على الدبلوماسية، في الوقت الذي يواجه فيه أشد معارضيه داخل معسكره المحافظ، في مشهد يعكس تعقيدات التوازنات السياسية الإيرانية مع استمرار الجدل حول مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.