غزة تشعل احتجاجات واسعة ضد الناتو في تركيا وسط تنديد بدعم الحلف لإسرائيل

29

تصاعدت الاحتجاجات المناهضة لحلف شمال الأطلسي “الناتو” في تركيا بالتزامن مع انعقاد قمة الحلف في أنقرة بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت تحولت فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة إلى محور رئيسي لغضب المحتجين، الذين اتهموا الحلف بالمساهمة في دعم إسرائيل وتغذية الحروب العالمية عبر توسيع الإنفاق العسكري وتعزيز أرباح شركات صناعة الأسلحة.

وشهدت مدن تركية، وفي مقدمتها إسطنبول، مظاهرات وفعاليات سياسية رافضة لسياسات الحلف، بينما فرضت السلطات التركية حظراً شاملاً على الاحتجاجات في العاصمة طوال فترة انعقاد القمة، في إطار إجراءات أمنية واسعة رافقتها حملة اعتقالات طالت مئات الأشخاص، بينهم ناشطون وسياسيون وصحفيون وأكاديميون.

ورفع المتظاهرون صور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ولافتات تندد بالحرب على غزة، معتبرين أن الإبادة الجماعية المستمرة بحق الفلسطينيين كشفت حقيقة الدور الذي يؤديه حلف الناتو في حماية إسرائيل وتعزيز سياساتها العسكرية، بدلاً من الالتزام بشعارات الدفاع عن حقوق الإنسان والسلام الدولي.

واحتضنت إسطنبول قمة موازية حملت اسم “قمة إسطنبول للسلام المناهض للإمبريالية”، نظمها حزب العمال التركي، بمشاركة شخصيات دولية وناشطين مناهضين للحرب، بهدف تقديم رؤية مضادة لسياسات الحلف وانتقاد توجهاته العسكرية المتصاعدة.

وأكد منظمو المؤتمر أن قمة الناتو تمثل مرحلة جديدة من عسكرة الاقتصادات الأوروبية، بعد الاتفاق على رفع الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، معتبرين أن هذه السياسة ستؤدي إلى تحويل موارد الشعوب إلى صناعة السلاح وتمويل الحروب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأشار بيان المؤتمر إلى أن الأموال التي ستُقتطع من قطاعات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية ستذهب إلى شركات تصنيع الأسلحة التي تحقق أرباحاً متزايدة نتيجة استمرار النزاعات المسلحة، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

واتهم المشاركون الحلف بعدم اتخاذ أي إجراءات فعلية للحد من الجرائم الإسرائيلية في غزة، معتبرين أن إدراج أمن إسرائيل ضمن أولويات إستراتيجية الناتو يعكس انحيازاً واضحاً للاحتلال، ويؤكد استمرار الدعم السياسي والعسكري الغربي له رغم الاتهامات الدولية بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة بحق المدنيين الفلسطينيين.

وقال متحدث باسم إحدى الحركات المشاركة إن الناتو لم يستخدم أي من آلياته للضغط على إسرائيل أو وقف العدوان على غزة، بل واصل تعزيز التعاون معها، في الوقت الذي يتعرض فيه الفلسطينيون لعمليات قتل وتدمير واسعة.

وأضاف أن السياسات التي يعتمدها الحلف تجعل الحرب أكثر ربحية بالنسبة لشركات السلاح، فيما تتحمل الشعوب تكاليف سباقات التسلح والإنفاق العسكري المتزايد.

وتزامنت الاحتجاجات مع حملة أمنية واسعة نفذتها السلطات التركية، حيث أوقفت ما لا يقل عن 225 شخصاً قبل انعقاد القمة، بينهم ناشطون يساريون، وأكاديميون، وصحفيون، ومحامون، ونشطاء في مجال حقوق الإنسان والبيئة، إضافة إلى أشخاص اتهموا بالانتماء إلى جماعات محظورة.

كما تعرض عدد من المشاركين الأجانب لإجراءات أمنية فور وصولهم إلى تركيا، إذ احتُجز ناشطون ومندوبون يمثلون منظمات سلام أوروبية في مطار إسطنبول، وصودرت هواتفهم، قبل ترحيلهم بعد احتجازهم لساعات.

واعتبر منظمو المؤتمر أن هذه الإجراءات تؤكد أن البنية الأمنية التي ترافق قمم الناتو لم تعد موجهة ضد تهديدات خارجية، وإنما تستهدف الأصوات المعارضة للحروب والسياسات العسكرية.

وأشاروا إلى أن منع شخصيات سياسية وحقوقية من دخول البلاد يعكس حجم القيود المفروضة على النشاط المناهض للحلف خلال انعقاد القمة.

وفي سياق متصل، أعاد المشاركون التذكير بالدور التاريخي الذي لعبه الناتو في تركيا منذ انضمامها إلى الحلف عام 1952، معتبرين أن التحالف لم يقتصر على مواجهة الاتحاد السوفيتي سابقاً، بل ارتبط أيضاً، بحسب رأيهم، بدعم سياسات أمنية وعسكرية أثرت على الحياة السياسية والديمقراطية داخل البلاد.

وقال باحثون مشاركون في الفعاليات إن الإنفاق العسكري الضخم الذي يفرضه الحلف على أعضائه يمثل شكلاً من أشكال إعادة توجيه الموارد العامة نحو المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، على حساب الاستثمار في القطاعات الاجتماعية والخدمية.

وأضافوا أن زيادة ميزانيات الدفاع ستؤدي إلى إضعاف الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والإسكان، في حين تحقق شركات تصنيع الأسلحة أرباحاً غير مسبوقة نتيجة تصاعد النزاعات الدولية.

وأكد المشاركون أن الحرب في غزة أسهمت في توحيد مواقف قوى يسارية وإسلامية داخل تركيا، رغم اختلافاتها السياسية، بعدما أصبحت القضية الفلسطينية نقطة التقاء بين مختلف الحركات الرافضة لسياسات الحلف.

كما وجهوا انتقادات إلى الحكومة التركية، معتبرين أن تصريحاتها المتكررة ضد إسرائيل لا تنسجم مع استمرار العلاقات التجارية والعسكرية، ووصفوا تلك المواقف بأنها لا تتجاوز حدود الخطاب السياسي.

وأشاروا إلى أن عضوية تركيا في الناتو تمنح الحكومة نفوذاً تفاوضياً مع الولايات المتحدة، في حين تستفيد الصناعات الدفاعية التركية من اندماجها في سلاسل التوريد التابعة للحلف، وهو ما يجعل ميزانيات التسلح المتزايدة تصب في مصلحة الشركات المرتبطة بالقطاع العسكري.

ورأى محللون أن الحكومة التركية شددت الإجراءات الأمنية ومنعت الاحتجاجات خشية أن تؤثر المظاهرات على صورة القمة أمام الوفود الدولية، خصوصاً في ظل استمرار الجدل داخل الحلف بشأن موقع تركيا وعلاقاتها مع كل من روسيا وإيران.

وفي المقابل، بدا أن الإدارة الأمريكية سعت إلى إظهار دعمها لأنقرة خلال القمة، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يدرس رفع الحظر المفروض على بيع مقاتلات “إف-35” لتركيا، إضافة إلى تخفيف مزيد من العقوبات، واصفاً أنقرة بأنها “حليف استثنائي”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.