صواريخ وصفقات وتسابق نفوذ.. المحيط الهادئ يشتعل بالتزامن مع زيارة ترامب إلى الصين

58

تشهد منطقة المحيطين الهندي والهادئ تصعيدًا متسارعًا في التنافس العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة والصين، بالتزامن مع زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، وسط مؤشرات متزايدة على إعادة تشكيل ميزان القوى في آسيا والمحيط الهادئ.

ويقول مراقبون إن النصف الأول من شهر مايو/أيار الجاري كشف بصورة واضحة ملامح المرحلة المقبلة من الصراع الاستراتيجي بين القوتين الأكبر في العالم، ليس فقط عسكريًا، بل أيضًا في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وسلاسل التوريد والنفوذ الجيوسياسي.

وفي واحدة من أبرز الخطوات العسكرية الأخيرة، نفذت الولايات المتحدة واليابان تدريبات عسكرية مشتركة ضمن مناورات “باليكاتان”، شملت إطلاق صاروخ “توماهوك” باستخدام منصة “تايفون”، إضافة إلى صواريخ يابانية من طراز 88 لاستهداف سفن قبالة سواحل الفلبين.

ووصفت بكين هذه الخطوة بأنها استفزاز خطير، خاصة أنها المرة الأولى التي تُنفذ فيها مثل هذه المناورات بهذا المستوى من التنسيق الهجومي.

كما وقعت اليابان اتفاقية تعاون دفاعي جديدة مع إندونيسيا، بعد تخفيف القيود المفروضة على صادرات الأسلحة اليابانية، في مؤشر على سعي طوكيو لتوسيع حضورها العسكري والأمني في المنطقة.

وفي تطور موازٍ، وافق المجلس التشريعي في تايوان على حزمة تمويل دفاعي خاصة بقيمة 25 مليار دولار لشراء أسلحة جديدة.

وجاء القرار بعد أشهر من الجمود السياسي، وسط ضغوط متزايدة داخل واشنطن لتسريع مبيعات السلاح إلى تايبيه وتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة الصين.

وتعتبر بكين تايوان جزءًا من أراضيها، فيما ترفض أي تعاون عسكري أو سياسي خارجي معها، ما يجعل ملف الجزيرة أحد أخطر نقاط التوتر بين الصين والولايات المتحدة.

وأعربت الصين عن استيائها المتزايد من الأنشطة العسكرية المتصاعدة في المنطقة، خصوصًا ما يتعلق بإعادة تسليح اليابان.

ووصفت وزارة الخارجية الصينية التحركات اليابانية بأنها “وحيد قرن رمادي يندفع نحو السلام والنظام”، في تعبير يعكس القلق الصيني من التحول التدريجي في العقيدة العسكرية اليابانية بعد عقود من القيود التي فرضتها طوكيو على نفسها عقب الحرب العالمية الثانية.

ويرى محللون أن الوضع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يظل شديد الديناميكية، خاصة مع قيام إدارة ترامب بإعادة توزيع قدراتها العسكرية بين عدة جبهات دولية.

ففي الوقت الذي تركز فيه واشنطن بصورة أكبر على أزمات الشرق الأوسط ونصف الكرة الغربي، يعتقد خبراء أن ذلك قد يؤدي مؤقتًا إلى تقليص التركيز الأمريكي المباشر على آسيا.

كما أشار مراقبون إلى أن ترامب اتخذ خلال الفترة الأخيرة مواقف بدت أكثر برودًا تجاه بعض الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة.

وقالت كريستين وورموث، وزيرة الجيش الأمريكي السابقة ورئيسة مبادرة التهديد النووي، إن العلاقة بين واشنطن وبكين قد تكون “أهم علاقة على مستوى العالم”، بسبب تأثيرها المباشر على الأمن النووي والتجارة والتكنولوجيا الحيوية والاقتصاد العالمي.

وأضافت أن الملف الذي ستراقبه الأوساط السياسية والعسكرية عن كثب خلال لقاء ترامب وشي هو ملف تايوان.

وأشارت إلى أن أي تغيير ولو بسيط في اللغة المستخدمة من جانب الرئيسين بشأن تايوان سيُفسَّر على نطاق واسع باعتباره مؤشرًا على تحول محتمل في الموقف الأمريكي أو الصيني.

ورغم أن غالبية المحللين لا يتوقعون تغييرًا رسميًا في سياسة واشنطن تجاه تايوان، فإن بعض التقديرات تشير إلى أن شي جين بينغ قد يسعى للحصول على تنازلات أمريكية خلف الأبواب المغلقة.

ويرافق ترامب خلال زيارته إلى الصين عدد من كبار رجال الأعمال الأمريكيين، في إشارة إلى أن الملفات الاقتصادية والتكنولوجية ستكون حاضرة بقوة في القمة.

ومن بين الأسماء المتوقع مشاركتها: جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة NVIDIA، وكيلي أورتبرغ من Boeing، ولاري كولب من GE Aerospace.

وقال غرانت روملي، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، إن ترامب يسعى على ما يبدو إلى “نوع من الانفراج الاقتصادي” مع الصين، رغم استمرار التوترات السياسية والعسكرية.

وأضاف أن القيود الصينية على تصدير المعادن الحيوية غيّرت طبيعة المنافسة بين البلدين.

وأوضح أن الصراع لم يعد يشبه “مباراة ملاكمة”، بل تحول إلى “سباق ماراثون” طويل الأمد يرتبط بالقدرة على السيطرة على الموارد والتكنولوجيا وسلاسل التوريد العالمية.

وتسيطر الصين حاليًا على الحصة الأكبر من إنتاج ومعالجة المعادن الأرضية النادرة، التي تُعد ضرورية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والصناعات العسكرية.

ويعكس التصعيد العسكري والاقتصادي الأخير في منطقة المحيطين الهندي والهادئ اتساع نطاق المنافسة الأمريكية الصينية لتشمل جميع مستويات القوة والنفوذ.

ويرى خبراء أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر حساسية، مع تزايد التحالفات العسكرية، وتصاعد سباق التسلح، واحتدام المنافسة على التكنولوجيا والموارد الحيوية.

كما تشير التطورات الأخيرة إلى أن أي خطأ في الحسابات السياسية أو العسكرية، خصوصًا في ملف تايوان، قد يدفع المنطقة إلى مواجهة دولية واسعة ذات تداعيات عالمية غير مسبوقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.