تكشف بيانات ميدانية وصور أقمار صناعية وتحليلات قانونية عن حجم دمار غير مسبوق في جنوب لبنان، في ظل حملة عسكرية إسرائيلية وُصفت من قبل خبراء قانونيين بأنها قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب، نتيجة التدمير المتعمد والواسع للبنية التحتية المدنية.
وتظهر صور حديثة لمدينة الخيام، الواقعة قرب الحدود، تحولها إلى ركام كامل من المباني المدمرة والطرق الممزقة، حيث لم يتبقَّ سوى آثار ضئيلة لما كانت عليه المدينة سابقًا.
ويقول سكان محليون إن أحياءً بأكملها أُزيلت من الوجود، في حين تشير بيانات رسمية إلى تدمير أو تضرر نحو 100 ألف مبنى مدني منذ استئناف العمليات العسكرية.
ويؤكد خبراء في القانون الدولي أن التدمير المتعمد للممتلكات المدنية دون ضرورة عسكرية يُعد انتهاكًا صريحًا لقوانين النزاعات المسلحة.
وتشير التحليلات إلى توافر ثلاثة عناصر رئيسية تُعرّف هذا النوع من الانتهاكات: حجم الدمار الواسع، وانعدام المبرر العسكري، ووجود نية متعمدة أو إهمال جسيم للعواقب.
وبحسب بيانات رسمية فإن ما لا يقل عن 27 ألف منزل و182 مبنى عامًا و35 مدرسة وتسعة مواقع تاريخية دُمّرت بالكامل منذ مطلع مارس، إضافة إلى أضرار واسعة لحقت بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء.
وأفادت مصادر محلية، باستهداف الهجمات أيضًا منشآت خدمية أساسية، من بينها محطات ضخ المياه وألواح الطاقة الشمسية، ما أدى إلى تعطيل خدمات حيوية لأكثر من نصف مليون شخص، في وقت تعاني فيه المنطقة من صعوبة وصول فرق الإغاثة بسبب القيود المفروضة على الدخول.
وتشمل العمليات العسكرية ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو نطاق حدودي أعلنت إسرائيل السيطرة عليه بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أبريل، ويضم نحو 50 بلدة حدودية. وتشير التقديرات إلى أن القوات الإسرائيلية تسيطر فعليًا على نحو 5% من الأراضي اللبنانية، وسط غياب أي جدول زمني واضح للانسحاب.
وتفيد تقارير ميدانية بأن القوات الإسرائيلية منعت الوصول إلى هذه المناطق، واستهدفت من حاول دخولها، بمن فيهم صحفيون وعمال إنقاذ، فيما نُفذت عمليات تدمير باستخدام جرافات وتفجيرات موجهة بعيدًا عن أعين الإعلام.
ومنذ تجدد المواجهات في مارس، أسفرت العمليات العسكرية عن مقتل أكثر من 2860 شخصًا في لبنان، بينهم مئات سقطوا بعد إعلان وقف إطلاق النار، إضافة إلى آلاف الجرحى، وفق بيانات رسمية.
ويرى محللون أن استمرار عمليات الهدم خلال فترات التهدئة يعزز الشكوك حول غياب الضرورة العسكرية، خاصة مع توثيق أكثر من 100 حادثة تدمير لمنازل ومنشآت مدنية خلال فترة وقف إطلاق النار، بحسب بيانات رصد النزاعات.
وتشير صور الأقمار الصناعية إلى تسارع وتيرة التدمير داخل المناطق الحدودية، حيث تم تسوية منشآت طبية ومرافق عامة بالأرض، بما في ذلك مراكز صحية وصيدليات ومنشآت رياضية.
ويؤكد خبراء أن استهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك مصادر المياه والكهرباء، يتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية، ويؤدي إلى إلحاق أضرار طويلة الأمد بالمجتمعات المحلية، ما قد يجعل أجزاء واسعة من الجنوب غير صالحة للسكن لسنوات.
في المقابل، تشير تصريحات مسؤولين إسرائيليين إلى نية واضحة لإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود، مع تعهدات بتدمير القرى القريبة، وهو ما يراه مراقبون دليلاً إضافيًا على وجود سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في المنطقة.
وتؤكد منظمات حقوقية دولية أن إعلان مناطق عازلة لا يمنح أي طرف الحق في تدمير ممتلكات المدنيين، مشددة على أن حماية السكان والبنية المدنية تظل التزامًا قانونيًا لا يمكن تجاوزه تحت أي مبرر.
من جهتهم، حذر مسؤولون لبنانيون من أن الهدف النهائي لهذه العمليات يتمثل في منع السكان من العودة إلى مناطقهم، أو جعل ذلك بالغ الصعوبة، في ظل حجم الدمار الكبير الذي طال المنازل والمرافق الحيوية.
وتُقدّر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الحالية، إلى جانب تداعيات الحرب السابقة، بما يصل إلى 20 مليار دولار، تشمل أضرارًا جسيمة في القطاعات الزراعية والبنية التحتية.