ترامب يتحدى القانون الدولي: أوروبا مجمدة أمام نهج “الغرب المتوحش” وقلق استراتيجي متصاعد

118

تساقطت الثلوج بكثافة هذا الأسبوع على عاصمة الاتحاد الأوروبي، حيث عاد المسؤولون من السفارات والمؤسسات الأوروبية من عطلتهم ليجدوا أنفسهم في عالم جديد صادم.

ونتجت الصدمة عن سلسلة من الإجراءات المتهورة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من إزاحته لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو إلى تهديداته لكوبا وإيران، مروراً بتصريحاته حول ضرورة امتلاك غرينلاند لأغراض الأمن القومي، حتى لو اعترض حلفاؤه الأوروبيون.

“أنا لست بحاجة إلى القانون الدولي”، قال ترامب في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، ليؤكد نهجه الذي يثير قلق بروكسل وأوروبا بأكملها.

هذا النهج لا يشكل تهديداً للاتفاقيات العالمية مثل اتفاقية باريس للمناخ فحسب، بل يضع الاتحاد الأوروبي – أكبر كيان تشريعي في العالم – في موقف حرج.

إذ يُصدر الاتحاد الأوروبي سنوياً أكثر من ألفي توجيه وقانون ولائحة تنظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية لدوله الأعضاء البالغ عددها 27 دولة، لكنها تبدو عاجزة أمام تصرفات ترامب.

كما قال دبلوماسي أوروبي رفيع، طلب عدم الكشف عن هويته: “لقد اعتدنا السخرية من ترامب وفريقه، لكن هذا خطأ. إنهم يتمتعون بقدرات عالية. مهمتنا واضحة: خدمة مصالح الولايات المتحدة وإدارة ترامب، بغض النظر عن مصالح أوروبا”.

وتتجلى الأزمة الأوروبية بوضوح في أوكرانيا، التي تمثل محور كل التوترات. فالاتحاد الأوروبي لا يزال يعتمد على حلف الناتو، وعلى الدعم الأمريكي لضمان أي هدنة مقبولة، ما يحدّ من قدرة بروكسل على التصرف بحرية سياسية واستراتيجية.

وحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الأسبوع من “تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ” على يد الولايات المتحدة، داعياً أوروبا إلى الاستثمار في “الاستقلال الاستراتيجي”.

لكنه يعاني من ضعف شعبي وبرلمان متعثر، فيما يزداد نفوذ اليمين المتطرف، مما يقلل من قدرة خطابه على التأثير في صنع السياسات الأوروبية.

وتكمن إشكالية أخرى في عدم وجود ممثل واحد لأوروبا في السياسة الخارجية، حيث صدرت بيانات منفصلة من رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، والممثل السامي كايا كالاس.

والبيان الأكثر تحفظاً، الذي دعا إلى “الهدوء واحترام القانون الدولي”، لم يوقع عليه سوى 26 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، فيما امتنعت المجر عن التوقيع.

وتتجاوز الأزمة أوكرانيا وفنزويلا، لتصل إلى غرينلاند، التي يطالب ترامب بضمها لأغراض الأمن القومي. هنا، حاول القادة الأوروبيون دعم الموقف الدنماركي بحذر شديد، متجنبين أي انتقاد مباشر للولايات المتحدة، مكتفين بالقول إن “القانون أقوى من القوة”.

كما أشار دبلوماسي أوروبي آخر: “لم يعد العالم قائماً على القيم الأوروبية. العالم يعمل بطريقة مختلفة تماماً، وأوروبا عليها أن تجد طريقها”.

في هذا السياق، يشير الدبلوماسيون إلى أن أوروبا بحاجة لمراجعة جذريّة لسياستها الخارجية، وإعادة تقييم علاقاتها مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، وفهم مدى اعتمادها على أمريكا في القضايا الاستراتيجية الكبرى.

كل هذا في وقت يشهد فيه ترامب وولايات المتحدة استعداداً لتجاوز القواعد الدولية لتحقيق مصالحهم الخاصة، مما يضع أوروبا في موقف حرج وغير مسبوق.

والواقع الجديد يفرض على القادة الأوروبيين التفكير بجدية: هل يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة، أم حان الوقت لإعادة تشكيل الاستراتيجية الأوروبية العالمية بعيداً عن نفوذ ترامب؟ وحتى الآن، لا توجد إجابة واضحة، والقلق الأوروبي يتصاعد مع كل تصريح جديد للرئيس الأمريكي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.