وضعت تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أحد أكبر شرايين التحويلات المالية في العالم تحت الضغط، بعدما أثارت الاضطرابات الاقتصادية والأمنية في الخليج مخاوف بشأن مستقبل ملايين العمال الأجانب الذين تعتمد عليهم اقتصادات المنطقة وتعتمد عائلاتهم في الخارج على دخولهم.
وبحسب تقرير لوكالة “بلومبيرغ”، فإن الأزمة سلطت الضوء على هشاشة ممر مالي ضخم تبلغ قيمته نحو 124 مليار دولار سنويًا، وهي قيمة الأموال التي أرسلها العمال المهاجرون في دول مجلس التعاون الخليجي إلى بلدانهم الأصلية خلال عام 2024، لدعم ملايين الأسر في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
ويعد ستيف جيفري، العامل الكيني البالغ من العمر 38 عامًا والمقيم في قطر، واحدًا من ملايين العمال الذين يعيشون حالة ترقب. ويعمل جيفري في قطاع الضيافة بالعاصمة الدوحة ويرسل شهريًا نحو 150 ألف شلن كيني، أي ما يعادل 1159 دولارًا، إلى زوجته وطفليه في بلاده.
وتوفر هذه الأموال لأسرته قدرة على دفع تكاليف التعليم وتغطية الاحتياجات اليومية والطوارئ، في وقت يقول فيه إن العودة إلى بلاده ليست خيارًا واقعيًا.
وقال جيفري تعليقًا على تداعيات الحرب: “نواصل الدعاء والأمل في الأفضل”، مضيفًا أن فكرة العودة إلى الوطن لم تخطر بباله لأنه “لن يعرف من أين يبدأ”.
وأظهرت الحرب مدى ارتباط اقتصادات الخليج بالعمالة الأجنبية، إذ تعتمد قطاعات واسعة مثل البناء والضيافة والخدمات والطاقة على ملايين العمال الوافدين.
ورغم اعتراض معظم الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية خلال التصعيد، إلا أن الأزمة عطلت السفر والسياحة، وأثرت على الصادرات عبر مضيق هرمز، ورفعت تكاليف الواردات، وضغطت على سلاسل الإمداد.
كما زادت حالة عدم اليقين الوظيفي لدى العمال، خاصة في القطاعات الأكثر تأثرًا بالتباطؤ الاقتصادي.
واتخذت بعض الحكومات الخليجية إجراءات لتخفيف آثار الأزمة، بينها تأجيل سداد بعض الالتزامات المالية، لكن المخاوف بشأن الوظائف والدخل بقيت حاضرة لدى قطاعات واسعة من العمال الأجانب.
وتشير البيانات إلى أن بداية الأزمة دفعت كثيرًا من المغتربين إلى تسريع إرسال الأموال إلى بلدانهم خوفًا من تطورات مستقبلية.
وأعلنت شركة “ويسترن يونيون” عن ارتفاع التحويلات الخارجة من الشرق الأوسط خلال المرحلة الأولى من الحرب، مع توجه العمال إلى تأمين أكبر قدر ممكن من السيولة لعائلاتهم.
وفي الهند، التي تعتمد بشكل كبير على تحويلات العاملين في الخليج، ارتفعت الأموال الواردة من الخارج بأكثر من 28% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس، بينما سجلت دول مثل بنغلاديش وسريلانكا زيادات مشابهة.
وقالت الخبيرة الاقتصادية مادهافي أرورا إن حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب ربما دفعت العمال إلى تحويل أموالهم بشكل أسرع بحثًا عن الأمان المالي.
لكن الصورة لم تكن إيجابية في جميع الدول، إذ سجلت الفلبين أبطأ نمو للتحويلات منذ نحو أربع سنوات، وهو مؤشر مقلق لدولة تمثل تحويلات العاملين بالخارج نحو 10% من اقتصادها، ويعمل ملايين من مواطنيها في الشرق الأوسط.
وفي كينيا، أظهرت بيانات البنك المركزي ارتفاعًا أوليًا في التحويلات القادمة من الخليج مع بداية الحرب، قبل أن تتراجع بنسبة 18% في أبريل.
وقال داري أوكودجو، الرئيس التنفيذي لمنصة المدفوعات “أونافريك”، إن هناك مؤشرات واضحة على ضغوط مالية متزايدة، موضحًا أن عدد التحويلات ارتفع، لكن متوسط قيمة التحويل الواحد انخفض.
وأضاف أن بعض العمال بدأوا الاعتماد على مدخراتهم لتعويض تراجع الدخل أو تأخر الرواتب، محذرًا من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى انخفاض كبير في حجم التحويلات إذا استُنزفت هذه الاحتياطيات.
وتكشف الأزمة عن نقاط ضعف قديمة في سوق العمل الخليجي، حيث لا يحصل كثير من العمال منخفضي الدخل على ضمانات اجتماعية كافية أو حماية طويلة الأجل في حال فقدان الوظائف.
وتحذر منظمات حقوقية من أن ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدخل قد يضعان العمال الأكثر هشاشة أمام تحديات متزايدة.
وتتجاوز أهمية التحويلات المالية الجانب الاقتصادي، إذ أصبحت بالنسبة لكثير من الدول النامية أكثر تأثيرًا من المساعدات الخارجية والاستثمارات الأجنبية المباشرة، لأنها تصل مباشرة إلى الأسر وتستخدم في التعليم والصحة والاحتياجات الأساسية.
ويرى خبراء أن استمرار عدم الاستقرار في الخليج قد يحمل تداعيات عالمية، خصوصًا على الدول الفقيرة التي تعتمد ملايين الأسر فيها على دخل أبنائها العاملين بالخارج.
وبينما تمنح محادثات السلام بين واشنطن وطهران بعض الأمل، يبقى مستقبل هذا الشريان المالي الضخم مرتبطًا بمدى قدرة المنطقة على تجاوز تداعيات الحرب واستعادة الاستقرار الاقتصادي.