تتصاعد مخاوف حلفاء الولايات المتحدة العرب من أن يقود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بلاده نحو مواجهة عسكرية جديدة مع إيران، رغم الجهود المكثفة التي تبذلها دول الخليج لاحتواء التصعيد والدفع باتجاه الحلول الدبلوماسية، وسط شعور متزايد بأن البيت الأبيض لا يقدّم ضمانات واضحة بشأن الإصغاء لنصائح ضبط النفس.
وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة على المحادثات الجارية بين الإدارة الأمريكية وعدد من العواصم الخليجية، فإن خطاب ترامب العلني المتشدد، إلى جانب مواصلته تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، يخلق انطباعًا بأن توجيه ضربة جديدة لإيران قد يصبح مسألة وقت لا أكثر.
وقالت المصادر إن الرئيس الأمريكي يبدو «محاصرًا بخطابه وتصعيده العسكري» إلى درجة تجعل التراجع صعبًا دون تحقيق مكسب واضح.
ويأتي هذا القلق في أعقاب العملية الأمريكية التي نُفذت قبل أسابيع ضد فنزويلا، والتي أطاحت بالرئيس السابق نيكولاس مادورو.
وفي هذا السياق، قال مسؤول خليجي رفيع المستوى: «لا شك في قدرات الجيش الأمريكي»، لكنه أضاف أن المعضلة الحقيقية تكمن في غياب الوضوح حول الهدف النهائي لأي تحرك محتمل ضد إيران.
وأوضح المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، أن من غير الواضح ما إذا كان ترامب يسعى إلى تغيير النظام في طهران، أو توجيه «رسالة ردع»، أو مجرد استخدام القوة كورقة ضغط سياسية، فضلًا عن الغموض المحيط بالتكتيكات المحتملة.
وزاد هذا الغموض مع تصريحات ترامب المتكررة التي وعد فيها المتظاهرين الإيرانيين بشكل مبهم بأن «المساعدة قادمة».
وقال دبلوماسي عربي رفيع المستوى، على تواصل مباشر مع الإدارة الأمريكية: «حتى بعد الكثير من الحوار، لا يزال من غير الواضح بالنسبة لنا ما الذي يريده الطرفان بالضبط».
وتعمل خمس دول رئيسية—السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عُمان وتركيا—بشكل منسق لتجنب تصعيد جديد قد يجر المنطقة إلى حرب شاملة تهدد استقرار الخليج. ويؤكد مسؤولون عرب أن هذه الدول كثّفت اتصالاتها بطهران وواشنطن على حد سواء، في محاولة لإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة.
وفي هذا الإطار، أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هذا الأسبوع للرئيس الإيراني أن الرياض لن تسمح باستخدام مجالها الجوي في أي هجوم على إيران، في موقف أعقبته الإمارات ببيان مماثل.
ويرى مراقبون أن هذه الرسائل تمثل محاولة واضحة لرسم خطوط حمراء أمام أي عمل عسكري قد يورّط دول الخليج قسرًا.
ورغم هذه الجهود، يعترف مسؤولون عرب على انفراد بأن التوصل إلى اتفاق شامل يقضي نهائيًا على البرنامج النووي الإيراني يبدو مستبعدًا، خاصة بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت به خلال القصف الأمريكي المكثف العام الماضي في ختام حرب استمرت 12 يومًا مع إسرائيل.
وفي يوم الجمعة، أعاد ترامب التأكيد على خيار القوة، مشيرًا من المكتب البيضاوي إلى أن «أسطولًا ضخمًا» من السفن الحربية الأمريكية يتجه إلى الخليج، واصفًا هذا الانتشار بأنه «أكبر حتى مما حدث في فنزويلا».
ويضاهي هذا الحشد البحري الانتشار الذي سبق الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي المشترك على المنشآت النووية الإيرانية في الربيع الماضي.
وقد وصلت حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن إلى المنطقة، يرافقها خمس مدمرات صواريخ موجهة وسفينتان حربيتان ساحليتان مخصصتان لرصد الصواريخ، في وقت أعيدت فيه بعض أنظمة الدفاع الجوي التي كانت نُشرت مؤقتًا، مثل بطاريات باتريوت، إلى قواعدها الأصلية.
ورغم إشادته بالقوة النارية للأسطول، حرص ترامب على الإبقاء على باب الدبلوماسية مواربًا، قائلاً: «إذا توصلنا إلى اتفاق، فهذا جيد. وإذا لم نتوصل إلى اتفاق، فسنرى ما سيحدث»، مضيفًا أن إيران «تريد إبرام اتفاق».
لكن هذا المزيج من الرسائل المتناقضة—بين التلويح بالقوة وتأكيد الرغبة في التفاوض—يزيد من قلق الحلفاء العرب، الذين يخشون أن يؤدي سوء تقدير واحد إلى إشعال مواجهة جديدة في منطقة لا تحتمل مزيدًا من الاضطرابات، في وقت تبدو فيه نوايا واشنطن النهائية تجاه إيران أكثر غموضًا من أي وقت مضى.