باكستان تتجه نحو “الذكاء الاصطناعي السيادي” وتقليل الاعتماد على عمالقة السحابة

75

تخطو باكستان خطوة استراتيجية نحو ما تصفه بـ“الذكاء الاصطناعي السيادي”، في مسعى لتقليل اعتمادها على مزودي الحوسبة السحابية الغربيين والصينيين، وبناء بيئة رقمية محلية تتيح لرواد الأعمال تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل شبكات وطنية محمية.

وجاء التحرك الجديد مع توقيع هيئة باكستان الرقمية مذكرة تفاهم مع مؤسسة Dfinity السويسرية، تتيح إدخال منصة “Caffeine” إلى السوق الباكستانية.

وتعمد المنصة على الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتسمح ببناء تطبيقات برمجية عبر أوامر باللغة الطبيعية، ما يقلل الحاجة إلى خبرة تقليدية عميقة في البرمجة.

وفي عالم تتزايد فيه أهمية البيانات كأصل استراتيجي، تسعى دول عديدة إلى ضمان أن تبقى بياناتها الحساسة داخل حدودها السيادية.

ونجاح التجربة الباكستانية قد يشكل نموذجاً للاقتصادات الناشئة التي تريد إطلاق نمو قائم على الذكاء الاصطناعي دون تسليم مفاتيح بنيتها الرقمية لشركات عملاقة مثل Amazon Web Services أو Google Cloud.

ويمنح الاعتماد على منصات سحابية مركزية تلك الشركات قدرة هائلة على إدارة وتخزين ومعالجة البيانات، لكن في المقابل يثير مخاوف تتعلق بالأمن القومي والخصوصية والسيادة الرقمية.

وبدلاً من تشغيل تطبيقاتها على مراكز بيانات مركزية تابعة لجهات أجنبية، ستقوم باكستان ببناء “شبكتها الفرعية” الخاصة بها ضمن منظومة “حاسوب الإنترنت” التي تطورها Dfinity.

وتمثل هذه الشبكة شريحة وطنية مخصصة داخل نظام سحابي موزع قائم على تقنية البلوك تشين.

وتقوم الفكرة الأساسية على توزيع البيانات والتطبيقات عبر خوادم مستقلة متعددة في مواقع مختلفة، بدلاً من تخزينها في مركز بيانات واحد. هذا التصميم اللامركزي يُفترض أنه يزيد من مقاومة الهجمات الإلكترونية ويحد من قدرة أي جهة واحدة على التحكم الكامل في النظام.

وقال دومينيك ويليامز، مؤسس Dfinity وكبير علمائها، إن النموذج اللامركزي يجعل من الصعب على الحكومات الأجنبية أو المهاجمين التلاعب بالبيانات أو تغيير التطبيقات دون اكتشاف ذلك، نظراً لغياب نقطة تحكم مركزية واحدة.

كما حذر من أن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تزيد من احتمالات الأعطال الواسعة في البيئات السحابية التقليدية، حيث يمكن أن يؤدي اختراق واحد إلى تعطيل خدمات متعددة مترابطة.

في المقابل، تعتمد الشبكات الفرعية على تكرار البيانات عبر عقد متعددة، ما يمنحها درجة أعلى من المرونة.

ويأتي التحول الرقمي في وقت تُعد فيه باكستان مركزاً متنامياً لريادة الأعمال.

ووفق تعداد 2023، فإن 95% من الشركات في البلاد تضم أقل من عشرة موظفين، ما يعني أن الاقتصاد يعتمد إلى حد كبير على مؤسسات صغيرة ومتوسطة يمكن أن تستفيد من أدوات ذكاء اصطناعي منخفضة الحواجز التقنية.

ومن خلال توفير 1000 ترخيص لمنصة Caffeine، تأمل الحكومة في تمكين مطورين وطلاب ورواد أعمال من بناء تطبيقات في مجالات متعددة تشمل التعليم، والخدمات الحكومية، وريادة الأعمال، دون الحاجة إلى بنى تحتية سحابية أجنبية.

وضمن الخطط المستقبلية، تعتزم هيئة باكستان الرقمية تطوير تطبيق مراسلة وطني يتيح “اتصالات خاصة وقابلة للتحقق”. هذا المشروع يعكس توجهاً أوسع نحو إنشاء أدوات تواصل آمنة تخضع للسيادة الوطنية، بعيداً عن المنصات العالمية التي تخزن البيانات خارج الحدود.

كما ستوفر Dfinity الأجهزة اللازمة لدعم إنشاء الشبكة الفرعية، ما يعزز استقلالية البنية التحتية الرقمية في البلاد.

وتنسجم الخطوة الباكستانية مع توجه عالمي متزايد نحو “سيادة البيانات”. فالدول الأوروبية تسعى إلى تقليل اعتمادها على شركات التكنولوجيا الأمريكية، بينما تطور الصين منظومتها الرقمية الخاصة.

وفي هذا السياق، تحاول باكستان رسم مسار مستقل يوازن بين الابتكار وحماية المصالح الوطنية.

لكن رغم الطموح، يبقى نجاح المبادرة مرهوناً بعدة عوامل، منها قدرة الحكومة على بناء الثقة بين القطاعين العام والخاص، وتوفير بيئة تنظيمية واضحة، وضمان استدامة التمويل والبنية التحتية التقنية.

كما أن المنافسة مع عمالقة السحابة العالميين لن تكون سهلة، نظراً لفارق الموارد والخبرة. لكن إذا نجحت باكستان في تنفيذ رؤيتها، فقد تفتح الباب أمام نموذج جديد للتنمية الرقمية في العالم النامي – نموذج يقوم على تمكين الابتكار المحلي دون التفريط بالسيادة الرقمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.