أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني انسحابه من سباق الترشح لولاية ثانية، في خطوة مفاجئة أنهت أسابيع من المفاوضات داخل البيت السياسي الشيعي، ومهّدت الطريق أمام رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ليصبح المرشح الأبرز لتشكيل الحكومة المقبلة، وسط مساعٍ لاحتواء الانقسامات وضمان انتقال سلس للسلطة.
وجاء قرار السوداني، الذي يتولى رئاسة الحكومة منذ أكتوبر 2022، بعد فشله في تأمين توافق كافٍ داخل “إطار التنسيق” الشيعي، رغم فوز ائتلافه “إعادة الإعمار والتنمية” بـ46 مقعداً في الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر الماضي، من أصل 329 مقعداً.
وعلى الرغم من هذا التقدم، لم يتمكن الائتلاف من حشد الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة.
وبحسب مصادر سياسية، واجه السوداني اعتراضات متزايدة من قوى شيعية نافذة داخل إطار التنسيق، الذي يضم أحزاباً وفصائل مسلحة مدعومة من إيران، ما دفعه في نهاية المطاف إلى سحب ترشيحه ودعم نوري المالكي، في محاولة لتفادي صراع داخلي قد يطيل أمد الفراغ السياسي.
وبرر ائتلاف السوداني الخطوة بأنها تهدف إلى “تغليب المصلحة الوطنية” وتقليل حدة التنافس داخل الكتلة الشيعية الأكبر.
وقال المتحدث باسم الائتلاف، فراس المسلماوي، إن دعم المالكي يأتي في إطار مبدأ “العراق أولاً”، مؤكداً أن القرار لا يعكس ضعفاً سياسياً، بل “قدرة على إدارة الخلافات ضمن أطر متفق عليها، وتقديم الاستقرار على الطموحات الشخصية”.
وأضاف المسلماوي أن المالكي يمتلك “خبرة سياسية طويلة وفهماً واقعياً للتحديات التي تواجه الدولة”، معتبراً أن الالتفاف حوله قد يسهل عملية انتقال السلطة ويجنب البلاد صراعات داخلية جديدة، في مرحلة دقيقة تشهد ضغوطاً اقتصادية وأمنية متراكمة.
ويُعد نوري المالكي، الأمين العام لحزب الدعوة، أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد السياسي العراقي. فقد شغل منصب رئيس الوزراء لولايتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، ولعب دوراً محورياً في مرحلة ما بعد الإطاحة بنظام صدام حسين.
وفي بداياته، حظي بدعم أمريكي، قبل أن تتدهور صورته لدى واشنطن مع تصاعد الاتهامات بتغذية الانقسام الطائفي وتوسيع نفوذ إيران في العراق.
ويتهم خصوم المالكي سياساته خلال ولايته الثانية بالمساهمة في تهميش المكون السني، ما اعتبره خبراء أحد العوامل التي مهدت لتمدد تنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة من البلاد عام 2014. كما ارتبط اسمه بملفات فساد وتوترات إقليمية، وهي اتهامات دأب على نفيها.
وفي الانتخابات الأخيرة، حصل ائتلاف “دولة القانون” بزعامة المالكي على 29 مقعداً، ما يمنحه ثقلاً مهماً لكنه لا يضمن تلقائياً رئاسة الحكومة.
وحتى الآن، لم يحسم إطار التنسيق موقفه النهائي من دعمه، في ظل تشابك التحالفات وتعدد مراكز القوة داخل المعسكر الشيعي.
ويرى مراقبون أن انسحاب السوداني يعكس إدراكاً بصعوبة فرض ولاية ثانية في ظل موازين القوى الحالية، كما يكشف في الوقت ذاته عن عمق الخلافات داخل الطبقة السياسية الشيعية.
ومع بروز المالكي مجدداً، يبقى المشهد مفتوحاً على مفاوضات شاقة، قد تحدد ما إذا كان العراق مقبلاً على استقرار نسبي أم جولة جديدة من التجاذبات السياسية.