ميدل ايست- الصباحية
انجرف عدد من الإعلاميين المشاهير بعيداً جداً عن ساحل الرسالة الإعلامية السامية الأهداف، لنيل رضا السلطة. فلم يعد بإمكان المواطنين السعوديين طرح آراء مخالفة لما تنتهجه حكومتهم؛ فقد أثبتت الوقائع أن مصير المعترضين هو السجون.
حيث نتنهج السعودية سياسة تكميم الأفواه بشكل واضح منذ أن تولى محمد بن سلمان منصب ولي العهد في يونيو 2016.
يقبع كبار الشخصيات، من دعاة ومفكرين ونشطاء، من كلا الجنسين، منذ سنوات خلف قضبان السجون السعودية، لمجرد أن آراءهم تخالف توجهات السلطة، الأمر الذي أدانته دول ومنظمات حقوقية دولية، لكن وجود هذه النخبة في السجون من رسائله أيضاً تهديد مختلف أطياف المجتمع بألا يجهروا بمخالفة السلطة.
برز الإعلامي السعودي عبد الله المديفر من بين الإعلاميين الذين أثبتوا جدارة في تطويع الإعلام لا لخدمة سياسات السلطة فحسب، بل وصل الأمر إلى تشويه الحقائق التاريخية والتقليل من شأن الأحداث الإسلامية التي يتفاخر بها المسلمون.
ترويج للإلحاد في برنامج عبد الله المديفر
لكن المديفر لم يكتفِ حتى بهذا القدر من السياسة التي يتبعها في برنامجين يقدمهما من شاشة “روتانا” السعودية، حيث ظهر في برنامجه مؤخراً مستضيفاً شخصية تروج للإلحاد في شهر رمضان.
وقد أثارت مقابلة الكاتب منصور النقيدان، الذي حل ضيفاً على برنامج “الليوان”، الذي يقدمه المديفر من قناة “روتانا خليجية” السعودية، الثلاثاء (21 مايو الجاري)، جدلاً واسعاً بعد أن تحدث عن الإلحاد والإسلام.
وقال النقيدان، وهو سعودي حاصل على الجنسية الإماراتية، خلال اللقاء عن ظاهرة الإلحاد، قائلاً: إن “الإلحاد عقيدة، وعليك أن تحترم الإلحاد لأنه خيار للإنسان”، على حد قوله.
وفي رأي مثير للجدل يرى الكاتب أن الإيمان القلبي هو الإيمان الحقيقي، دون النظر إلى القيام بالعبادات كالصلاة التي يراها غير ضرورية.
ذكر النقيدان أن “عقائد أهل السنة والجماعة التي كنا ندرسها في المدارس ونتعلمها في المساجد ويتم ترسيخها الآن، هي عبارة عن مدونات كُتبت في القرن الثالث وتولى تدوينها نخبة من أهل الحديث والأثر، وخرج عن هؤلاء المعتزلة وغيرهم”.
أعطى المديفر للكاتب النقيدان حرية طرح الرأي البعيد عن المجتمع السعودي المحافظ، وضع الشيخ عائض القرني، الذي يعدّ من أبرز الدعاة وعلماء الدين بالسعودية في موقف محرج، حيث ظهر وهو يلمع صورة ولي العهد، خلافاً لما ذكره في وقت سابق بأنه لن يخوض في السياسة.
القرني في برنامج المديفر
ظهر الداعية القرني متردداً وغير متزن، وفي موقف المتهم الذي كان يجب عليه تبرير إجابة كل سؤال يوجه له، خلال استضافته من قبل الإعلامي عبد الله المديفر، على فضائية “روتانا خليجية” في وقت سابق من مايو الجاري.
وبدا القرني الذي نجا من حملة اعتقالات وملاحقات سابقة قادها بن سلمان، منذ سبتمبر 2017، حازماً في الدفاع عن سياسات الأخير وخطواته الجديدة التي شهدتها المملكة، خلال لقائه.
كما و حرص القرني، الذي يصفه النشطاء السعوديون بأنه من ضمن المشايخ الذين يعملون تحت عباءة الملك، خلال لقائه، على تبرير إعلان بن سلمان انتهاء “الصحوة” الإسلامية في المملكة، التي كان من أبرز مشايخها والمنظرين لها.
اقرأ : هل تُقدم الرياض فعلاً على إعدام الدعاة العودة والقرني والعمري بعد رمضان
وخلال اللقاء الذي استمر ساعة وعشرين دقيقة، هاجم القرني، بعد سؤاله من المذيع، قطر وتركيا وإيران، زاعماً أنهم يكنّون العداء للسعودية.
وعرض المذيع السعودي فيديوهات قديمة للقرني، يظهر فيها المديح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ثم الطلب من جديد موقفه منه، وهو ما قابله الداعية السعودي بالهجوم على أنقرة إرضاءً للموقف السعودي العام في السياسة الخارجية الجديدة.
كرر القرني دعمه لبن سلمان أكثر من مرة خلال حديثه للمذيع، مؤكداً أن هناك ثلاثة خطوط حمراء بالنسبة له، أولها “الدين المعتدل الوسطي، والمملكة، وسلمان وابنه”، وأنه سيعمل على تسخير قلمه في مشروع “الاعتدال” الذي يقوم عليه ولي العهد “من هذه الليلة”.
تشويه التاريخ الإسلامي
الباحث في التاريخ المعاصر، سلطان الأصقه، شكَّك في تاريخ الدولة العثمانية وكون فترة حكمها تعتبر خلافة إسلامية.
وتحدَّث “الأصقه”، على مدى ساعتين، لبرنامج “في الصورة” ومُقدِّمه المديفر أيضاً، عُرض في مايو الماضي، بصورة مغايرة ومغلوطة وغير معهودة عن الدولة العثمانية التي حكمت العالم العربي ومناطق واسعة من العالم نحو 4 قرون.
وهاجم “الأصقه” مؤسِّس الدولة العثمانية أرطغرل، واصفاً إياه بالشخصية الأسطورية الباهتة التي “لا نعلم عنها شيئاً، وأصوله مغولية وليست تركية”، مضيفاً: إنه “ليس ثابتاً أن (أرطغرل) هو من أنشأ الدولة العثمانية، بل كان مقاتلاً مرتزقاً، والأقوى في أقوال المؤرخين أنه كان وثنياً وغير مسلم”.
وزاد “الأصقه” قائلاً: إن “الدولة العثمانية كانت دولة صوفية، عندها شركيَّات وانحرافات، وخلطت بين هذا التصوف والتشيُّع، وسلاطين الدولة العثمانية من أولهم إلى آخرهم، لم يكن واحد منهم على عقيدة أهل السُّنة”.
وزعم أن الحديث النبوي الذي امتدح به الرسول عليه الصلاة والسلام، من يفتح القسطنطينية (إسطنبول) ليس المقصود به السلطان العثماني محمد الفاتح الذي فتح المدينة، وإنما سيكون الفتح المقصود بالحديث النبوي الشريف، في آخر الزمان.
وقال: إن “رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن أن يُثني على شخصٍ مثل محمد الفاتح، تربَّى على وحدة الوجود ويعتقد في الحلول ومغالٍ في القبورية”.
وعن السلطان عبد الحميد، زعم “الأصقه” أن آخر السلاطين العثمانيين “كان على الطريقة الشاذلية، وفيها من الغلو والانحراف الذي يصل أحياناً إلى حد الكفر بالله”.
وباتت السُّلطة في السعودية تبحث عمن يحاول تحسين سمعتها التي تضررت بسبب موجة انفتاح غير مسبوقة في البلاد، والترويج لتلك الأفكار والخطوات البعيدة عن المجتمع، والتي أدت إلى إباحة ما كان محرَّماً في المملكة، كما يواجه ولي العهد اتهامات بارتكاب انتهاكات في حرب اليمن، وإعطاء أمر قتل الصحفي جمال خاشقجي بقنصلية بلاده.