يواجه آلاف المهاجرين العالقين في مدينة سبتة الإسبانية أوضاعاً إنسانية متدهورة بعد مرور أسبوع على أكبر موجة عبور شهدها الجيب الإسباني على الحدود مع المغرب، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تكرار عمليات العبور الجماعي خلال الأيام المقبلة.
ورغم عودة الحياة تدريجياً إلى شوارع المدينة وأسواقها، لا تزال مئات الأسر والمهاجرين يفترشون الشواطئ والأماكن المفتوحة بعد تعذر حصولهم على مراكز إيواء أو خدمات أساسية، وسط نقص في الغذاء والمياه والمرافق الصحية.
وقال مهاجرون يقيمون على شاطئ “إل ترامبولين” إنهم ينامون في العراء دون خيام أو أغطية، ويواجهون درجات حرارة مرتفعة نهاراً وبرودة شديدة ليلاً، في ظل غياب أماكن مناسبة للإقامة.
وأوضح عماد، وهو مهاجر يمني يبلغ من العمر 26 عاماً، أن المهاجرين اضطروا خلال الأيام الأولى للأزمة إلى تحمل ظروف قاسية للغاية، مشيراً إلى أن نقص الغذاء والمياه دفع بعضهم إلى أكل أوراق الأشجار وشرب مياه ملوثة قبل أن تبدأ منظمات إنسانية بتقديم مساعدات محدودة.
وأضاف أن الوضع تحسن جزئياً بعد تدخل الصليب الأحمر وعدد من المنظمات الإنسانية، إلا أن الاحتياجات الأساسية لا تزال تفوق الإمكانات المتاحة.
وكانت مدينة سبتة شهدت خلال الأسبوع الماضي تدفقاً غير مسبوق لعشرات الآلاف من المهاجرين الذين عبروا الحدود مع المغرب سباحة أو سيراً على الأقدام، في واحدة من أكبر موجات الهجرة التي شهدتها الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.
ولا يزال عدد الموجودين داخل المدينة محل تباين بين السلطات المحلية والحكومة الإسبانية.
وتقدر مدريد أن نحو 72 ألف شخص عبروا إلى سبتة خلال الأزمة، فيما بقي داخل المدينة قرابة 2500 مهاجر بعد إعادة معظم الوافدين.
في المقابل، يرى رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس أن عدد الذين دخلوا المدينة تجاوز 80 ألف شخص، مرجحاً بقاء ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف مهاجر حتى الآن.
كما لا تزال حصيلة ضحايا عمليات العبور غير واضحة، إذ تشير تقديرات إلى أن عدد الوفيات قد يصل إلى 141 شخصاً، بينما لا يزال عشرات المفقودين في عداد المجهولين، ما يثير مخاوف من ارتفاع عدد الضحايا مع استمرار عمليات البحث.
وأثارت الأزمة حالة من القلق داخل المدينة، خاصة مع تداول دعوات جديدة عبر منصات التواصل الاجتماعي لتنظيم موجة عبور جماعية أخرى خلال منتصف أغسطس.
وقال رئيس حكومة سبتة إن سكان المدينة يعيشون حالة من التوتر والقلق خشية تكرار المشاهد التي شهدتها الأيام الماضية، مؤكداً أن التساؤل الأكبر حالياً يتمثل في إمكانية حدوث موجة جديدة خلال وقت قريب.
كما أعرب عن صدمته من شهادات تحدثت عن قيام مسؤولين مغاربة بتسهيل عمليات العبور أو التغاضي عنها، معتبراً أن ما حدث كشف هشاشة الوضع الأمني على الحدود.
وبينما تستمر إسبانيا والاتحاد الأوروبي في مناقشة التداعيات السياسية للأزمة، يواجه المهاجرون الذين بقوا داخل سبتة مستقبلاً غامضاً، خاصة مع تعثر إجراءات اللجوء وامتلاء مراكز الاستقبال.
وقال عماد إنه غادر اليمن عام 2019 هرباً من محاولات الحوثيين تجنيده للقتال، واعتقد أن وصوله إلى الأراضي الإسبانية سيمنحه فرصة للحصول على الحماية الدولية، إلا أنه فوجئ بإغلاق مركز استقبال طالبي اللجوء وعدم وجود أماكن لاستقباله.
وأضاف أنه يعيش حالة نفسية صعبة، ويعاني يومياً من القلق والخوف من الترحيل، فضلاً عن الكوابيس المرتبطة بالحرب التي تركها خلفه في اليمن.
وتبرز أوضاع الأطفال غير المصحوبين بذويهم باعتبارها إحدى أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً في الأزمة الحالية.
وتشير التقديرات إلى وجود نحو 1300 طفل داخل المدينة دون مرافقة أسرهم، بينما تخشى منظمات حقوقية أن يكون مئات الأطفال الآخرين ما زالوا يتجولون في الشوارع دون حماية أو رعاية.
وروت فتاة مغربية تبلغ من العمر 16 عاماً أنها توجهت فور وصولها إلى مركز استقبال القاصرين، لكنها فوجئت بعدم وجود أماكن شاغرة، ما اضطرها إلى النوم في العراء عدة أيام.
وأضافت أنها بقيت لفترات طويلة دون طعام، مشيرة إلى أن المساعدات التي كانت توزع غالباً ما كانت تنفد قبل وصول النساء والفتيات إليها، سواء كانت مواد غذائية أو ملابس.
وفي محاولة للتخفيف من الأزمة، أعلنت الحكومة الإسبانية البدء في تركيب مراحيض وحمامات إضافية على الشاطئ الذي يقيم فيه المهاجرون، كما قررت الشرطة إنشاء مركز للمعلومات لتقديم الإرشادات والخدمات الأساسية، إلا أن استمرار تدفق المهاجرين والمخاوف من موجات عبور جديدة يبقيان المدينة أمام تحديات إنسانية وأمنية متواصلة.