تواجه الحكومة الإسبانية ضغوطاً سياسية وأمنية متزايدة عقب التدفق الكبير للمهاجرين إلى مدينتي سبتة ومليلية، وسط تصاعد المطالب المغربية بالسيادة على الجيبين، وظهور مؤشرات أثارت قلق مدريد بشأن مواقف بعض حلفائها الغربيين من مستقبل المدينتين الواقعتين في شمال أفريقيا.
وأعادت أحداث الأسبوع الماضي، التي شهدت عبور عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة، ملف المدينتين إلى واجهة الجدل السياسي، بعدما اعتبرت الأوساط الإسبانية أن سهولة اختراق الحدود كشفت حجم التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد، وأثارت مخاوف من تعرضها لضغوط متزايدة باستخدام الهجرة غير النظامية.
وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد القلق داخل إسبانيا من تراجع مستوى الدعم التقليدي الذي كانت تتلقاه من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في ظل الخلافات السياسية بين حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز والإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب.
وفي المقابل، كثفت وسائل إعلام مغربية قريبة من السلطات الحديث عن أحقية الرباط في استعادة سبتة ومليلية، معتبرة أن التطورات الأخيرة أعادت القضية إلى الواجهة، في وقت عززت فيه العلاقات المتنامية بين المغرب والولايات المتحدة من ثقة الرباط في طرح مطالبها الإقليمية.
ولم يقتصر الجدل على التصريحات المغربية، إذ أثارت إشارات وردت في تقرير للكونغرس الأمريكي، إلى جانب تصريحات لمسؤولين دوليين، تساؤلات داخل إسبانيا بشأن مستقبل المدينتين، وهو ما دفع الحكومة الإسبانية إلى إصدار مواقف رسمية تؤكد تمسكها بسيادتها عليهما.
وأكدت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس أن “سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من الأراضي الإسبانية، ولا يمكن المساس بسيادتهما”، مشددة على أن وحدة الأراضي الإسبانية “ليست محل نقاش”.
ورغم هذه التصريحات، استمرت المخاوف داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، حيث حذرت مقالات وتقارير من احتمال تكرار سيناريو “المسيرة الخضراء” التي استخدمها المغرب عام 1975 لبسط سيطرته على الصحراء الغربية، معتبرة أن استخدام الضغط الشعبي قد يتحول إلى وسيلة جديدة لفرض وقائع ميدانية.
ودعا وزير الخارجية الإسباني الأسبق خوسيه مانويل غارسيا مارغايو الحكومة إلى التعامل بحزم مع الملف، معتبراً أن على مدريد أن ترسم “خطوطاً حمراء” واضحة بشأن سبتة ومليلية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات جيدة مع المغرب.
وتعد سبتة ومليلية آخر الأراضي الإسبانية الواقعة في شمال أفريقيا، إذ تخضع سبتة للإدارة الإسبانية منذ عام 1668، بينما تخضع مليلية منذ عام 1497، وتعتبران جزءاً من الأراضي الإسبانية والاتحاد الأوروبي.
في المقابل، يواصل المغرب منذ استقلاله عام 1956 المطالبة بالسيادة على المدينتين، ويصفهما بأنهما “أراضٍ محتلة”، وهو الموقف الذي عاد للظهور بقوة في وسائل الإعلام المغربية عقب أزمة المهاجرين الأخيرة.
وزادت تصريحات عضو الكونغرس الأمريكي ماريو دياز بالارت من حساسية الملف، بعدما اعتبر في تصريحات سابقة أن سبتة ومليلية تقعان داخل الأراضي المغربية، قبل أن يتضمن تقرير قُدم إلى الكونغرس إشارات إلى المطالب المغربية ويدعو إلى متابعة الجهود الدبلوماسية المتعلقة بمستقبل المدينتين.
ورغم نفي دياز بالارت أن يكون التقرير مؤشراً على تغير رسمي في الموقف الأمريكي، فإنه أكد ضرورة استمرار الحوار بين إسبانيا والمغرب بشأن القضية، مشيداً في الوقت ذاته بالعلاقات الوثيقة بين واشنطن والرباط.