كشفت منصة أفريكا إنتليجنس أن السعودية تلعب دوراً مالياً مباشراً في دعم انشقاقات داخل قوات الدعم السريع السودانية، عبر ما وصفتها بسياسة “دفتر الشيكات”، في محاولة لإعادة رسم موازين القوى في السودان، بالتوازي مع السعي للحصول على تنازلات سياسية من رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان.
وبحسب التقرير، فإن انضمام القيادي البارز في قوات الدعم السريع علي رزق الله، المعروف باسم “السافنا”، إلى القوات المسلحة السودانية خلال شهر مايو الماضي لم يكن تطوراً عفوياً، بل جاء بعد دعم مالي سعودي وصف بالحاسم، أسهم في تغيير ولائه وانضمامه إلى الجيش السوداني.
ونقلت المنصة عن مصادر مطلعة أن قيمة المبلغ الذي حصل عليه “السافنا” مقابل انشقاقه تراوحت بين 800 ألف دولار و2.5 مليون دولار، في إطار تحركات تستهدف استقطاب قيادات ميدانية مؤثرة داخل قوات الدعم السريع.
وأضاف التقرير أن هذه العملية لم تكن حالة منفردة، إذ سبقها بأسابيع انشقاق اللواء النور أحمد آدم، المعروف باسم “النور قبة”، والذي كان يشغل موقع الرجل الثالث في قيادة قوات الدعم السريع، حيث أشارت تقديرات إلى حصوله على ما يصل إلى 2.5 مليون دولار مقابل انتقاله إلى صفوف الجيش السوداني مع قواته ومئات المركبات القتالية.
ورأت أفريكا إنتليجنس أن هذه التحركات تمثل دعماً استراتيجياً لعبد الفتاح البرهان، الذي ما زال يراهن على تفكيك قوات الدعم السريع من الداخل وتحقيق حسم عسكري للصراع عبر استقطاب قادتها الميدانيين.
وبحسب التقرير، فإن الاستراتيجية السعودية تقوم على استهداف قيادات الصف الثاني داخل قوات الدعم السريع، خاصة أولئك الذين يشعرون بالتهميش أو تراجعت فرصهم في الوصول إلى مراكز القرار، بهدف إحداث تصدعات داخل البنية القيادية للقوة شبه العسكرية وإضعاف قدرتها على مواصلة القتال.
وأشار التقرير إلى أن الرياض لا تكتفي بالدعم المالي، بل تسعى أيضاً إلى توظيف نفوذها للحصول على مكاسب سياسية داخل السلطة القائمة في بورتسودان.
وأوضح أن السعودية طلبت من البرهان اتخاذ خطوات لتقليص نفوذ التيار الإسلامي داخل القوات المسلحة السودانية، معتبرة ذلك شرطاً أساسياً لاستمرار دعمها السياسي أمام المجتمع الدولي.
إلا أن التقرير نقل عن البرهان تأكيده أن تنفيذ هذا الشرط بشكل فوري ليس ممكناً، في ظل غياب بديل سياسي قادر على ملء الفراغ الذي قد ينشأ عن تقليص نفوذ الشبكات الإسلامية داخل مؤسسات الدولة والجيش.
وفي هذا السياق، أوضح التقرير أن الرياض بدأت في التواصل مع شخصيات مدنية سودانية، من بينها أعضاء في تحالف “صمود” المرتبط برئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في محاولة لإيجاد شخصيات مدنية يمكن أن تضطلع بدور سياسي يواكب إعادة تشكيل السلطة في السودان.
لكن هذه المساعي، وفق التقرير، تواجه رفضاً من جانب قطاعات من القوى السياسية السودانية، التي ترى أن أي محاولة لإعادة تقديم البرهان بواجهة مدنية لا تمثل حلاً للأزمة، بل تعد محاولة لإعادة إنتاج السلطة الحالية بصيغة مختلفة دون معالجة أزمة الشرعية.
وأشار التقرير إلى أن ظهور القيادات المنشقة بزي القوات المسلحة السودانية بعد إعلان انضمامها عزز هذه الانتقادات، إذ استقبل البرهان بنفسه اللواء النور قبة، بينما ظهر “السافنا” خلال مؤتمر صحفي مرتدياً الزي العسكري الرسمي للجيش السوداني بعد أيام قليلة من إعلان انشقاقه.
وربط التقرير هذه الخطوات بإعلان البرهان المتكرر منذ عام 2023 عن منح عفو عام لعناصر قوات الدعم السريع الذين يلقون السلاح وينضمون إلى الجيش، معتبراً أن سياسة الاستقطاب الحالية تمثل امتداداً عملياً لذلك الإعلان.
ورأت أفريكا إنتليجنس أن الرهان السعودي يقوم على الجمع بين الضغط العسكري والإغراءات المالية لإحداث تفكك تدريجي داخل قوات الدعم السريع، بما يسمح بإعادة ترجيح كفة الجيش السوداني دون الانخراط المباشر في الصراع.
وفي المقابل، أشارت المنصة إلى أن هذه السياسة تنطوي على مقامرة مزدوجة، إذ تراهن الرياض من جهة على إضعاف قوات الدعم السريع عبر شراء ولاءات قادتها، ومن جهة أخرى على إعادة تشكيل البيئة السياسية السودانية بما يضمن نفوذاً أكبر لها داخل السلطة المستقبلية في البلاد.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن نجاح هذه المقاربة سيظل مرهوناً بقدرة البرهان على تحقيق مكاسب ميدانية وسياسية متزامنة، وبمدى استعداد القوى المدنية السودانية للانخراط في أي ترتيبات سياسية جديدة ترعاها أطراف إقليمية، في ظل استمرار الحرب وتعقيدات المشهد الداخلي السوداني.