يدخل اقتصاد إيران مرحلة حرجة مع تصاعد تداعيات الحرب، حيث تشير التقديرات إلى فقدان نحو مليوني وظيفة منذ فبراير، في وقت يتوقع فيه صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد بنسبة 6.1% خلال عام 2026، دون مؤشرات على تعافٍ فعلي قبل عام 2027، وفق بيانات وتقارير حديثة .
وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط المتراكمة على الاقتصاد الإيراني، الذي كان يعاني أصلًا من آثار العقوبات الدولية قبل اندلاع الحرب.
وأكد مسؤولون إيرانيون أن عمليات التسريح الواسعة طالت قطاعات متعددة، في إطار ما وصفته الجهات الرسمية بـ”إعادة توازن القوى العاملة”، في إشارة إلى تقليص النشاط الاقتصادي وتراجع الإنتاج.
وتُقدّر الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن الحرب بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.
وتشمل هذه الخسائر تدمير مرافق حيوية مثل المطارات والجسور والمصافي، ما يزيد من كلفة إعادة الإعمار ويضع الحكومة أمام تحديات مالية كبيرة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة الحالية تختلف عن الأزمات السابقة، إذ تجمع بين آثار العقوبات واضطرابات الحرب، بما في ذلك تعطّل سلاسل الإمداد وتقييد الاتصالات الرقمية.
ويؤكد مختصون أن هذا التداخل يجعل التعافي أكثر تعقيدًا مقارنة بالفترات السابقة التي شهدت ضغوطًا اقتصادية مشابهة.
رغم ذلك، يشير بعض المحللين إلى أن الاقتصاد الإيراني أظهر في السابق قدرة نسبية على التكيف عبر إعادة توجيه التجارة والاعتماد على قنوات غير رسمية، إلا أن حجم الصدمة الحالية يقلل من فعالية هذه الآليات.
ويُرجح أن تعتمد طهران بشكل أكبر على حلول داخلية وشركاء محدودين، في ظل صعوبة الحصول على دعم دولي واسع.
وتواجه إيران تحديًا إضافيًا يتمثل في محدودية احتياطاتها المالية، ما يحد من قدرتها على تمويل عمليات إعادة الإعمار.
ويؤكد خبراء أن أي خطة لإعادة البناء تتطلب تخفيفًا جزئيًا للعقوبات لتأمين التمويل والتكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية، وهو أمر غير مضمون في ظل الظروف السياسية الحالية.
على صعيد قطاع الطاقة، تعرضت البنية التحتية النفطية لضربات كبيرة، بالتزامن مع قيود على حركة التصدير، خاصة عبر مضيق هرمز. وتشير تقديرات إلى أن تكلفة إصلاح منشآت النفط والغاز قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، ما يفاقم الضغوط على الإيرادات الحكومية.
في الوقت ذاته، يواجه الريال الإيراني ضغوطًا حادة، حيث دخل في مسار تراجع متسارع، مدفوعًا بارتفاع الطلب على العملات الأجنبية وتراجع الإيرادات.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل معدل التضخم إلى نحو 70% خلال العام الجاري، نتيجة اضطرابات العرض والسياسات النقدية غير المستقرة.
ويشير خبراء إلى أن استمرار القيود على صادرات النفط سيؤدي إلى تفاقم أزمة العملة، حيث ستتراجع قدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي، بينما يتزايد الطلب الداخلي على العملات الصعبة كملاذ آمن. ويؤدي هذا التفاعل إلى حلقة تضخمية تزيد من تدهور القدرة الشرائية للمواطنين.
وتتجاوز تداعيات الأزمة الحدود الإيرانية لتشمل منطقة الخليج، حيث ينعكس عدم الاستقرار الاقتصادي على التجارة وأسواق الطاقة والاستثمار. ويرى محللون أن استمرار الأزمة قد يخلق حالة من عدم اليقين الإقليمي، رغم قدرة بعض الدول الخليجية على امتصاص الصدمات على المدى القصير.
وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الإيراني قد يستمر في العمل عبر آليات بديلة، لكنه سيبقى تحت ضغط مستمر مع نمو ضعيف وتضخم مرتفع.
ويؤكد خبراء أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو مرحلة طويلة من التكيف الاقتصادي دون انهيار كامل، لكنها ستتسم بتراجع مستويات المعيشة وزيادة التحديات الاجتماعية.
وتعكس هذه المؤشرات أن الحرب لم تخلق أزمة جديدة بقدر ما عمّقت الاختلالات القائمة، حيث تداخلت الضغوط العسكرية مع القيود الاقتصادية، ما دفع الاقتصاد الإيراني إلى حافة الانهيار، مع غياب أفق واضح لتعافٍ سريع في المدى القريب.