كشفت دراسة مناخية حديثة أن شبه الجزيرة العربية تواجه تصاعداً حاداً في مخاطر الطقس القاسي، بعد ارتفاع درجات الحرارة في أشد أيام السنة حرارة بنحو 4 درجات مئوية منذ سبعينيات القرن الماضي، في مؤشر يفوق وتيرة التغير المناخي المسجلة في العديد من مناطق العالم.
وحذر باحثون من أن استمرار ارتفاع انبعاثات الكربون قد يدفع متوسط درجات الحرارة في المنطقة إلى الزيادة بما يصل إلى 6 درجات مئوية بحلول نهاية القرن الحالي، الأمر الذي يهدد بزيادة موجات الحر الشديدة وتوسع نطاق الإجهاد الحراري الذي يؤثر بشكل مباشر على صحة السكان.
وأظهرت دراسة أجراها المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF)، ونُشرت في مجلة “نيتشر كلايمت تشينج”، أن ملايين الأشخاص حول العالم أصبحوا أكثر عرضة لمستويات خطيرة من الحرارة، نتيجة التفاعل بين ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة وضعف حركة الرياح.
واعتمد الباحثون على ما يعرف باسم مؤشر المناخ الحراري العالمي (UTCI)، وهو معيار لا يكتفي بقياس درجة الحرارة فقط، بل يدمج عوامل أخرى مثل الرطوبة والرياح لتحديد الشعور الحقيقي بالحرارة وتأثيرها على جسم الإنسان.
وقارن فريق الدراسة الظروف المناخية المسجلة بين عامي 2015 و2024 ببيانات تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، ليتبين حدوث ارتفاع واضح في شدة ومدة موجات الإجهاد الحراري.
وأكد المركز الأوروبي أن الظاهرة أصبحت تظهر في مختلف القارات، مشيراً إلى أن أكبر التغيرات رُصدت في أوروبا وإفريقيا وشبه الجزيرة العربية وأمريكا الشمالية.
وأوضح التقرير أنه في جنوب أوروبا وأجزاء من شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية أصبحت درجات مؤشر الحرارة خلال الأيام العشرة الأكثر سخونة في السنة أعلى بنحو 4 درجات مئوية مقارنة بما كانت عليه قبل خمسة عقود.
وقالت الدكتورة ريبيكا إيمرتون، كبيرة العلماء في المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن النتائج تظهر “تفاقماً واضحاً للإجهاد الحراري حول العالم بسبب تغير المناخ”.
وأضافت أن موجات الحر أصبحت اليوم أكثر شدة وتكراراً واستمراراً مقارنة بسبعينيات القرن الماضي، وهو ما يعني أن أعداداً أكبر من البشر باتت تواجه ظروفاً حرارية خطرة ليس فقط بسبب النمو السكاني، بل أيضاً نتيجة التغير المناخي.
ويحذر العلماء من أن منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية تعد من أكثر المناطق حساسية لهذه التحولات، بسبب طبيعتها المناخية القاسية أساساً.
وقالت الدكتورة ديانا فرانسيس، الأستاذة المشاركة في جامعة خليفة بأبوظبي ورئيسة مختبر العلوم البيئية والجيوفيزيائية، إن ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة يتجاوز المعدلات الطبيعية لأن الاحتباس الحراري يتفاعل مع الظروف المناخية المحلية.
وأوضحت أن الجفاف الشديد وقلة الغطاء النباتي وانخفاض رطوبة التربة تجعل قدرة الأرض على امتصاص الحرارة محدودة، ما يؤدي إلى انتقال جزء أكبر من طاقة الشمس مباشرة إلى تسخين الهواء والسطح.
وأضافت أن السماء الصافية والإشعاع الشمسي القوي وضعف الرياح تزيد جميعها من الإحساس بالحرارة، بينما تضاعف الرطوبة العالية في المناطق الساحلية المخاطر لأنها تقلل قدرة جسم الإنسان على التبريد عبر التعرق.
ويرى خبراء المناخ أن ارتفاع الحرارة ببضع درجات فقط في منطقة مرتفعة الحرارة أصلاً قد يكون كافياً لدفع الظروف المناخية إلى مستويات خطيرة.
وقال الدكتور نيكلاس هوهن، من معهد المناخ الجديد في ألمانيا، إن ارتفاع متوسط درجات الحرارة يؤدي بشكل مباشر إلى زيادة موجات الحر المتطرفة وإطالة مدتها.
وأوضح أن جسم الإنسان يجد صعوبة متزايدة في التعامل مع درجات الحرارة القصوى، خاصة عندما تستمر لفترات طويلة، مشيراً إلى أن الخطر الأكبر يواجه الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى وسائل التبريد مثل أجهزة تكييف الهواء.
وتشير التوقعات إلى أن موجات الحر في شبه الجزيرة العربية ستصبح أكثر تكراراً وقوة خلال العقود المقبلة، مع ارتفاع أسرع في درجات حرارة الصيف مقارنة بالشتاء.
وبحسب التقديرات العلمية، قد ترتفع درجات الحرارة في المنطقة بين درجتين وثلاث درجات مئوية في حال تطبيق إجراءات متوسطة للحد من الانبعاثات، بينما قد تصل الزيادة إلى ما بين أربع وست درجات في سيناريو استمرار الانبعاثات المرتفعة.
وفي مواجهة هذه التحديات، بدأت دول خليجية، بينها الإمارات، الاعتماد على تقنيات حديثة لتحسين التنبؤ بالمخاطر المناخية، بما في ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي لتوقع موجات الحر قبل حدوثها.
ويؤكد العلماء أن تطوير أنظمة الإنذار المبكر وخفض الانبعاثات باتا ضرورة ملحة، في ظل تحول الحرارة الشديدة من ظاهرة موسمية إلى تهديد طويل الأمد للصحة العامة والحياة اليومية في المنطقة.