أعلن البيت الأبيض، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يناقش “مجموعة من الخيارات” للاستيلاء على جزيرة غرينلاند، بما في ذلك اللجوء إلى القوة العسكرية، في موقف فجّر أزمة سياسية حادة مع الحلفاء الأوروبيين، وفتح الباب أمام أخطر مواجهة داخل حلف شمال الأطلسي منذ تأسيسه.
وجاء التصريح بعد ساعات فقط من صدور بيان أوروبي مشترك شدد على أن أي محاولة أمريكية للاستيلاء على غرينلاند، التابعة للدنمارك، تمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ السيادة والسلامة الإقليمية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة وحلف الناتو.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، إن ترامب “كان واضحاً تماماً” بشأن أهمية ضم غرينلاند للأمن القومي الأمريكي، معتبرة أن السيطرة على الجزيرة “حيوية لردع الخصوم في منطقة القطب الشمالي”.
وأضافت أن الرئيس وفريقه “يناقشون مجموعة من الخيارات لتحقيق هذا الهدف المهم في السياسة الخارجية”، مؤكدة أن “استخدام القوات المسلحة الأمريكية يظل خياراً متاحاً دائماً للقائد الأعلى للقوات المسلحة”.
وتأتي هذه التصريحات في سياق تصعيد أمريكي أوسع، عقب عملية نفذتها قوات خاصة أمريكية نهاية الأسبوع الماضي وأسفرت عن إزاحة الزعيم الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.
ومنذ ذلك الحين، كثّف ترامب خطاباً يؤكد فيه ما يصفه بـ”حق الولايات المتحدة” في اتخاذ كل ما تراه ضرورياً لحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية في نصف الكرة الغربي، ملوحاً بإجراءات ضد دول عدة، بينها كولومبيا وكوبا والمكسيك، إضافة إلى غرينلاند.
وأثارت تصريحات ترامب بشأن الجزيرة القطبية قلقاً واسعاً في الدول الإسكندنافية وأوروبا عموماً، في وقت تسعى فيه القارة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة روسيا.
فغرينلاند، رغم قلة سكانها، تتمتع بموقع استراتيجي بالغ الحساسية بين المحيط المتجمد الشمالي وشمال الأطلسي، وتُعد نقطة ارتكاز رئيسية لأي توازن عسكري في المنطقة.
ويحذر خبراء من أن أي تحرك عسكري أمريكي للسيطرة على غرينلاند، وهي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع رسمياً للدنمارك، سيُعد انتهاكاً مباشراً للمادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، التي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على جميع الأعضاء.
ويرى دبلوماسيون أن مثل هذا السيناريو قد يؤدي عملياً إلى انهيار التحالف عبر الأطلسي، الذي شكّل ركيزة النظام الأمني الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وكانت الدنمارك قد أبدت في السابق استعدادها لتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في غرينلاند ضمن ترتيبات مشتركة، إلا أن ترامب بدا غير مهتم بأي صيغة تقل عن سيطرة أمريكية كاملة على الجزيرة.
وقد زاد هذا الموقف من حدة التوتر، ودفع قادة الدنمارك وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا إلى إصدار بيان موحد أكد أن “الأمن في القطب الشمالي يجب أن يتحقق بشكل جماعي، بالتعاون مع حلفاء الناتو، ومن خلال احترام السيادة وحرمة الحدود”.
وفي ظل هذا التصعيد، تتجه الأنظار إلى الخطوات التالية للإدارة الأمريكية، وسط مخاوف أوروبية من أن تتحول تصريحات ترامب من ضغط سياسي إلى أزمة استراتيجية غير مسبوقة تهدد أسس النظام الدولي الغربي نفسه.