تحقيق استخباري يربط نفوذ الإمارات باستمرار الانقسام العسكري في ليبيا

11

أعاد تجدد الاشتباكات المسلحة في مدينتي الزاوية وصرمان غرب ليبيا تسليط الضوء على هشاشة المشهد الأمني والسياسي في البلاد، وسط تحذيرات من أن استمرار الانقسام العسكري يهدد الجهود الدولية الرامية إلى إعادة توحيد المؤسسات الليبية.

وفي هذا السياق، نشر موقع دارك بوكس (Dark Box) الاستخباري، تحقيقاً اعتبر فيه أن النفوذ الإماراتي في ليبيا يمثل أحد أبرز العوامل التي ساهمت في ترسيخ الانقسام العسكري وإبقاء البلاد رهينة لموازين القوى المسلحة.

وأوضح التحقيق أن الاشتباكات الأخيرة، التي شملت اقتحام سجن صرمان، وإطلاق سراح عدد من المعتقلين، وامتداد أعمال العنف إلى محيط المنشآت النفطية والمناطق القريبة من الحدود التونسية، لا يمكن النظر إليها باعتبارها أحداثاً محلية معزولة، وإنما ينبغي قراءتها ضمن السياق الأوسع للتنافس الإقليمي والدولي على ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي.

وأشار التقرير إلى أن التدخلات الخارجية لعبت دوراً محورياً في تشكيل المشهد الليبي خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الإمارات حافظت على علاقة استراتيجية طويلة الأمد مع قائد قوات الشرق الليبي خليفة حفتر، وهو ما أسهم في بناء منظومة عسكرية وسياسية موازية للمؤسسات القائمة في طرابلس.

وبحسب التحقيق، فإن هذه المنظومة أصبحت تعمل بصورة مستقلة عن مؤسسات الدولة الرسمية، الأمر الذي جعلها واحدة من أبرز العقبات أمام أي مشروع دولي يهدف إلى إعادة توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية تحت سلطة مركزية واحدة.

وأكد التقرير أن ليبيا ما تزال تعيش حالة انقسام بين غرب يخضع لنفوذ تشكيلات مسلحة وفصائل سياسية متعددة، وشرق تتركز فيه السلطة العسكرية بصورة متزايدة حول حفتر ودائرته المقربة، في ظل استمرار علاقات الدعم السياسي والأمني التي تربط هذا المعسكر بأبوظبي.

ورأى “دارك بوكس” أن أي عملية حقيقية لإعادة بناء الدولة الليبية تتطلب وجود قيادة عسكرية موحدة، ومؤسسات أمنية خاضعة للمساءلة، وإدارة شفافة لعائدات النفط، مع خضوع القوات المسلحة لسلطة مدنية، وهي شروط اعتبر التحقيق أنها تتعارض مع استمرار وجود هياكل عسكرية موازية.

وأضاف أن الاشتباكات الأخيرة في غرب ليبيا تمنح أنصار المعسكر الشرقي فرصة لتعزيز خطابهم القائم على أن البلاد تحتاج إلى قيادة عسكرية قوية قادرة على فرض الأمن، كلما بدا المشهد الأمني في طرابلس أكثر اضطراباً.

وأشار التحقيق إلى أنه لم يعثر على أدلة تثبت تورط الإمارات بصورة مباشرة في إدارة أو تمويل الاشتباكات الأخيرة في الزاوية أو صرمان، إلا أنه اعتبر أن بنية الدعم السياسي والعسكري التي قدمتها أبوظبي لحفتر خلال السنوات الماضية أسهمت في ترسيخ واقع سياسي يجعل القوة العسكرية أكثر تأثيراً من المؤسسات المدنية والانتخابات.

وحذر التقرير من تحول التصعيد العسكري إلى وسيلة لتعزيز المكاسب السياسية، بحيث تصبح الفصائل المسلحة أكثر قدرة على فرض شروطها على أي تسوية مستقبلية، وهو ما قد يؤدي إلى منح شرعية سياسية لقوى تستند أساساً إلى نفوذها العسكري.

وربط التحقيق بين هذه التطورات وبين أهمية قطاع النفط الليبي، موضحاً أن أي اضطراب أمني بالقرب من المنشآت النفطية ينعكس مباشرة على الاقتصاد الليبي، ويؤثر في قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة ودفع الرواتب، كما يمنح القوى المسيطرة على البنية التحتية للطاقة نفوذاً إضافياً داخل العملية السياسية.

وأضاف أن القوات المتحالفة مع حفتر تسيطر على أجزاء واسعة من المناطق التي تضم منشآت نفطية استراتيجية، وهو ما يمنحها ثقلاً كبيراً في أي ترتيبات سياسية مستقبلية، ويزيد من أهمية العلاقات التي تربطها بالداعمين الخارجيين.

وتناول التحقيق المبادرة الأمريكية الهادفة إلى إعادة توحيد المؤسسات الليبية، معتبراً أن استمرار وجود تشكيلات عسكرية مستقلة ومدعومة من أطراف خارجية يجعل فرص نجاح هذه المبادرة أكثر تعقيداً.

وبحسب التقرير، فإن واشنطن تسعى إلى بناء مؤسسات موحدة قادرة على حماية إنتاج النفط وتقليص النفوذ الروسي وإقامة شراكات أمنية مستقرة، بينما يرى التحقيق أن النفوذ الذي بنتْه الإمارات داخل المعسكر الشرقي يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار وجود هذا المعسكر بوصفه مركز قوة مستقل.

كما حذر “دارك بوكس” من التداعيات الإقليمية لاستمرار الاضطرابات في غرب ليبيا، خاصة مع اقتراب الاشتباكات من الحدود التونسية، معتبراً أن أي تدهور إضافي قد يؤدي إلى تنشيط عمليات تهريب الأسلحة، وارتفاع معدلات الهجرة غير النظامية، وزيادة نشاط شبكات الجريمة المنظمة، بما ينعكس على أمن دول شمال أفريقيا ومنطقة البحر المتوسط.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.