الإيكونوميست: على الرياض وأبوظبي كبح صراعات الوكالة والتصالح قبل انفجار خليجي جديد

102

رغم ما يجمع بينهما من تشابه في البنية السياسية والتحالفات الدولية والاعتماد التاريخي على النفط والغاز، تتجه العلاقة بين السعودية والإمارات العربية المتحدة نحو مزيد من التوتر، في مسار تحذّر منه «الإيكونوميست» باعتباره تنافسًا آخذًا في التحول من اختلاف مصالح طبيعي إلى صراع نفوذ قد تتجاوز تداعياته حدود الخليج.

وتشير المجلة إلى أن كل من أبو ظبي والرياض حليف وثيق للولايات المتحدة، وكان يُفترض أن يشكّلا معًا محور الاستقرار في مجلس التعاون الخليجي، إلا أن شرخًا شخصيًا وسياسيًا واقتصاديًا يتعمّق بينهما، مع مخاطر إقليمية متزايدة.

وتقر المجلة بأن المنافسة في العلاقات الدولية ليست بالضرورة أمرًا سلبيًا، إذ من الطبيعي أن تسعى الرياض وأبوظبي إلى أهداف متباينة.

غير أن القلق يتصاعد من طبيعة السياسات الخارجية الحالية، حيث يتبادل الطرفان اتهامات قاسية عبر إعلاميين ومعلّقين مقرّبين، من بينها اتهام سعوديين للإمارات بخدمة المصالح الإسرائيلية، في مقابل اتهام إماراتيين لولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالوقوع تحت تأثير الإسلاميين.

وبحسب المجلة يعكس هذا الخطاب المتشنج انتقال الخلاف من التباين الهادئ إلى صدام سياسي مكشوف.

ويبرز اليمن كنقطة تحوّل في هذا المسار. فبعد سنوات من التعاون العسكري ضد الحوثيين المدعومين من إيران، تباعدت المصالح بشكل حاد.

وتشير «الإيكونوميست» إلى حادثة قصف سعودي لشحنة أسلحة إماراتية في ديسمبر، في مؤشر نادر على بلوغ الخلاف مستوى المواجهة المباشرة. ولم يعد هذا التباعد محصورًا في اليمن، إذ تتسع الانقسامات في ساحات أخرى، ما ينذر بإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي بطريقة أكثر اضطرابًا.

وتحدد المجلة مشكلتين أساسيتين تغذّيان هذا التصعيد. الأولى أن صنع القرار في البلدين يتم غالبًا في دوائر ضيقة وبعيدًا عن الشفافية، ما يشيع الغموض ويعمّق الشكوك المتبادلة. والثانية هي الميل المتزايد لإدارة السياسة الخارجية عبر وكلاء محليين.

ففي حين تميل السعودية إلى دعم شركاء رسميين، تعتمد الإمارات—وفق التحليل—على التحالف مع قوى انفصالية وميليشيات محلية، وهو ما أسهم في تأجيج الحرب الأهلية في السودان، وقد يمتد أثره إلى مناطق هشّة أخرى في القرن الأفريقي، أو في غزة، أو في سوريا.

وتذكّر «الإيكونوميست» بأن الخليج شهد توترات مشابهة سابقًا، أبرزها حصار قطر عام 2017 الذي شاركت فيه السعودية والإمارات.

ورغم أن الأزمة الحالية لم تصل إلى قطع العلاقات الاقتصادية أو الدبلوماسية، فإن خلافًا بين أكبر اقتصادين عربيين وأكثرهما نفوذًا دبلوماسيًا قد تكون له عواقب أعمق وأكثر استدامة، خصوصًا في ظل بيئة إقليمية متقلبة.

وتشير المجلة إلى أن الرهانات مرتفعة للطرفين. فكلاهما يحتاج إلى الهدوء والاستقرار لتحقيق أهدافه الاقتصادية. فالإمارات تسوّق نفسها كمركز عالمي آمن للأعمال، بينما تسعى السعودية إلى ترسيخ صورة مماثلة مع تنفيذ مشاريع التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، بما في ذلك السياحة والخدمات.

ويتطلب ذلك مناخًا سياسيًا مستقرًا، في وقت تبلغ فيه قيمة التجارة الثنائية نحو 31 مليار دولار سنويًا. لكن المستثمرين، بحسب المجلة، باتوا يتحسسون حتى الإشارات الصغيرة على اضطراب سياسي، مثل تعقيدات التأشيرات أو القيود الحدودية على التجارة.

وترى «الإيكونوميست» أن خفض التصعيد يكون أسهل في مراحله الأولى، محذّرة من أن الاستمرار في تأجيج حروب الآخرين يفاقم المخاطر.

فالسعودية، وإن كانت لديها تحالفات مثيرة للجدل، تبقى—بحسب المجلة—أقل انخراطًا في دعم الميليشيات مقارنة بالإمارات، التي وُجّهت إليها اتهامات بدعم جماعات مسلحة، بينها واحدة متهمة بارتكاب إبادة جماعية، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.

وتؤكد المجلة أن دعم الوكلاء غالبًا ما يطيل أمد الصراعات ويضعف الدول الهشّة، فيما نادرًا ما يظل هؤلاء الوكلاء تحت السيطرة الكاملة لداعميهم.

وفي غياب قوة عظمى تفرض الانضباط كما كان الحال سابقًا، تتزايد مسؤولية الرياض وأبوظبي في إدارة خلافاتهما. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم تباهيه بقدرته على إنهاء التوترات «بسهولة»، لم يُبدِ رغبة حقيقية في التدخل، في ظل علاقاته الشخصية والتجارية الوثيقة مع العائلتين الحاكمتين ورؤيته المصلحية للسياسة الخارجية.

ونتيجة لذلك، تحذّر «الإيكونوميست» من أن المنافسة الخطِرة باتت أكثر ترجيحًا من التعاون.

وتخلص المجلة إلى أن المسؤولية الكاملة لمنع أزمة خليجية جديدة تقع اليوم على عاتق السعودية والإمارات. فإما أن يستخدم الطرفان نفوذهما لدفع النزاعات نحو وقف إطلاق النار وبناء ترتيبات تعايش مستدامة، أو يتركا التنافس ينفلت ليقود المنطقة إلى جولة جديدة من عدم الاستقرار، ستكون كلفتها السياسية والاقتصادية أعلى بكثير مما قد يتصوره صانعو القرار في العاصمتين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.