يشهد قطاع غزة ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات الإجهاض والولادات المبكرة والتشوهات الخلقية، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية وما خلفته من نزوح واسع، وسوء تغذية، وانهيار المنظومة الصحية، الأمر الذي يدفع أطباء فلسطينيين إلى التحذير من تداعيات خطيرة تهدد صحة الأمهات والأجنة والأجيال المقبلة.
وتكشف بيانات وزارة الصحة الفلسطينية تسجيل 3958 حالة إجهاض خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، في وقت يؤكد فيه أطباء أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير بسبب تعذر وصول مئات النساء إلى المستشفيات وصعوبة توثيق الحالات داخل مخيمات النزوح المنتشرة في مختلف أنحاء القطاع.
ويقول رئيس اللجنة الاستشارية في وزارة الصحة وكبير استشاريي أمراض النساء والتوليد، الدكتور عدنان راضي، إن معدلات الإجهاض تضاعفت بصورة حادة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيراً إلى أن بعض المناطق سجلت معدلات قد تصل إلى 70% من إجمالي الولادات، وهو ما وصفه بأنه تطور “مأساوي وصادم”.
وبحسب تقديرات طبية، ارتفع معدل الإجهاض من نحو 140 حالة لكل ألف ولادة في عام 2022 إلى ما يقارب 460 حالة لكل ألف ولادة خلال الحرب، وهو ما يمثل زيادة تتجاوز ثلاثة أضعاف المعدلات المسجلة قبل اندلاعها.
ويربط الأطباء هذا الارتفاع بجملة من العوامل المرتبطة بالحرب، في مقدمتها سوء التغذية الحاد، وفقر الدم، والضغوط النفسية، والنزوح المتكرر، إضافة إلى تدهور الخدمات الصحية، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات بسبب القصف والدمار.
ويؤكد الدكتور راضي أن نحو 70% من النساء الحوامل في قطاع غزة يعانين من فقر دم شديد نتيجة نقص الغذاء، الأمر الذي يرفع بصورة كبيرة مخاطر الإجهاض والولادة المبكرة والمضاعفات الصحية.
وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، التي تشير إلى أن نحو 1.4 مليون فلسطيني، يمثلون 67% من سكان القطاع، يواجهون مستويات حرجة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، فيما تحتاج قرابة 25 ألف امرأة حامل ومرضعة إلى دعم غذائي عاجل خلال الفترة المقبلة.
ويضيف الأطباء أن تلوث المياه، وسوء خدمات الصرف الصحي، وانتشار الأمراض المعدية، إلى جانب التعرض المستمر للغبار والمواد السامة الناتجة عن آلاف الأطنان من المتفجرات، عوامل إضافية تساهم في ارتفاع حالات الإجهاض.
ويشير الدكتور راضي إلى وجود مؤشرات على ارتباط التلوث البيئي الناتج عن القصف بزيادة الولادات المبكرة والتشوهات الخلقية، محذراً من أن آثار هذه السموم قد تمتد إلى الأجيال المقبلة عبر تأثيرها المحتمل على التركيب الجيني.
وتعكس قصة الفلسطينية سحر المجدلوي جانباً من معاناة آلاف النساء الحوامل في غزة، بعدما فقدت جنينها الأول الذي انتظرته سبع سنوات، عقب تعرضها لآلام حادة أجبرتها على السير لساعات مع زوجها للوصول إلى مستشفى العودة في مخيم النصيرات، بسبب توقف وسائل النقل جراء القصف الإسرائيلي.
وبعد إجراء الفحوص الطبية، أبلغها الأطباء بأن الجنين ما زال داخل الرحم لكنه فارق الحياة، لتنتهي رحلة انتظار طويلة بفقدان حملها الأول.
وتقول المجدلوي إنها لم تحصل على تفسير طبي واضح لما حدث، لكنها تعتقد أن ظروف الحرب كانت السبب المباشر في فقدان جنينها، مشيرة إلى أنها تعرضت للنزوح مرات عديدة، وأصيبت خمس مرات خلال غارات إسرائيلية، كما عانت المجاعة في شمال القطاع وفقدت كثيراً من وزنها قبل تدمير منزلها في جباليا.
وتعيش المجدلوي اليوم مع زوجها داخل خيمة في مخيم النصيرات، مثل مئات آلاف الأسر الفلسطينية التي فقدت منازلها، مؤكدة أن الحياة داخل الخيام، وارتفاع درجات الحرارة، واستمرار القصف والطائرات المسيّرة، تجعل الحمل تجربة محفوفة بالمخاطر اليومية.
وتوضح أن زوجها فقد عمله بسبب الحرب، وأصبحت الأسرة تعتمد بالكامل على وجبات تقدمها المطابخ الخيرية، في ظل عجزها عن شراء الفواكه والخضراوات واللحوم الطازجة بسبب ارتفاع الأسعار وانعدام الدخل.
ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع معدلات الإجهاض، إذ يؤكد أطباء أقسام الولادة أنهم يسجلون أيضاً زيادة غير مسبوقة في حالات الولادة المبكرة، خاصة قبل الأسبوع السادس والعشرين من الحمل، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في التشوهات الخلقية بين المواليد.
ويقول الدكتور راضي إن المستشفيات باتت تستقبل بصورة متكررة أطفالاً يولدون بتشوهات خلقية شديدة، بعد أن كانت هذه الحالات نادرة في السنوات السابقة، مشيراً إلى أن نقص أسرة العناية المركزة لحديثي الولادة يقلل فرص بقاء الأطفال الخدج على قيد الحياة.
وتشير تقديرات أممية إلى أن واحداً من كل خمسة مواليد جدد في قطاع غزة يحتاج إلى رعاية مركزة أو حضانة نتيجة سوء تغذية الأمهات، والإجهاد المزمن، وغياب الرعاية الصحية اللازمة خلال الحمل.